أي: من الأسماءِ التي تُرْفَعُ بالواوِ وتُنْصَبُ بالألفِ وتُجَرُّ بالياءِ ذُو وفَمٌ، ولكنْ يُشْتَرَطُ في (ذو) أنْ تكونَ بمعنى صاحبٍ، نحوُ: (جَاءَنِي ذُو مالٍ) ؛ أي: صاحِبُ مالٍ، وهو المرادُ بقولِهِ: (إنْ صُحْبَةً أَبَانَا) أي: إنْ أَفْهَمَ صُحْبَةً، واحْتَرَزَ بذلك عن (ذو) الطَّائِيَّةِ؛ فإنَّها لا تُفْهِمُ صُحْبَةً، بل هي بمعنَى الذي، فلا تكونُ مثلَ (ذي) بمعنى صاحبٍ، بل تكونُ مبنيَّةً، وآخِرُها الواوُ رفعًا ونصبًا وجرًّا، نحوُ: (جاءَنِي ذو قامَ، ورأيتُ ذُو قامَ، ومَرَرْتُ بذو قامَ) ، ومنه قولُه:
4 -فإمَّا كِرَامٌ مُوسِرُونَ لَقِيتُهُمْ ... فَحَسْبِيَ مِنْ ذُو عِنْدَهُمْ مَا كَفَانِيَا [1]
(1) هذا بيتٌ من الطويلِ، وهو من كلامِ مَنْظُورِ بنِ سُحَيْمٍ الفَقْعَسِيِّ، وقد اسْتَشْهَدَ به ابنُ هِشامٍ في (أَوْضَحِ المسالِكِ) (ش 7) في مبحثِ الأسماءِ الستَّةِ، وفي بابِ الموصولِ، كما فَعَلَ الشارِحُ هنا، واسْتَشْهَدَ به الأَشْمُونِيُّ (ش 155) مرتيْنِ أيضًًا، وقبلَ البيتِ المُسْتَشْهَدِ به قولُه:
ولَسْتُ بِهَاجٍ فِي الْقِرَى أَهْلَ مَنْزِلٍ ... عَلَى زَادِهِمْ أَبْكِي وأُبْكِي الْبَوَاكِيَا
فَإِمَّا كِرَامٌ مُوسِرُونَ لَقِيتُهُمْ ... فحَسْبِيَ مِنْ ذُو عِنْدَهُمْ ... البيتَ.
وإمَّا كِرَامٌ مُعْسِرُونَ عَذَرْتُهُمْ ... وإِمَّا لِئَامٌ فَادَّخَرْتُ حَيَائِيَا
وعِرْضِيَ أَبْقَى مَا ادَّخَرْتُ ذَخِيرَةً ... وبَطْنِيَ أَطْوِيهِ كَطَيِّ رِدَائِيَا
اللغةُ: (هاجٍ) اسمُ فاعلٍ مِن الهجاءِ، وهو الذمُّ والقَدْحُ، تَقُولُ: هَجَاهُ يَهْجُوهُ هَجْوًا وهِجَاءً، (القِرَى) بكسرِ القافِ مقصورًا: إكرامُ الضيفِ، و (في) هنا دالَّةٌ على السببيَّةِ والتعليلِ، مِثْلُها في قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ ) ). أي: بسببِ هِرَّةٍ ومِن أجلِ ما صَنَعَتْه معَها. يُرِيدُ أنه لنْ يَهْجُوَ أحدًا ولنْ يَذُمَّه ويَقْدَحَ فيه بسببِ القِرَى على أيَّةِ حالٍ؛ وذلك لأنَّ الناسَ على ثلاثةِ أنواعٍ:
النوعُ الأوَّلُ: كِرَامٌ مُوسِرُونَ.
والنوعُ الثاني: كِرامٌ مُعْسِرُونَ غيرُ واجدينَ ما يُقَدِّمُونَه لضِيفَانِهِم.
والنوعُ الثالثُ: لئامٌ بِهِمْ شُحٌّ وبُخْلٌ وضَنَانَةٌ.
وقد ذَكَرَ هؤلاء الأنواعَ الثلاثةَ، وذَكَرَ معَ كلِّ واحدٍ حالَه بالنسبةِ له، (كِرَامٌ) جمعُ كريمٍ، وأرادَ الطيِّبَ العُنْصُرِ الشريفَ الآباءِ، وقابَلَهُم باللئامِ، (مُوسِرُونَ) ذَوُو مَيْسَرَةٍ وغِنًى وعندَهم ما يُقَدِّمُونَه للضِّيفَانِ، (مُعْسِرُونَ) ذَوُو عُسْرَةٍ وضِيقٍ لا يَجِدُونَ ما يُقَدِّمُونَه معَ كَرَمِ نُفُوسِهِم وطِيبِ عُنْصُرِهِم.
الإعرابُ: (إما) حرفُ شرطٍ وتفصيلٍ، مبنيٌّ على السكونِ لا محلَّ له من الإعرابِ، (كِرَامٌ) فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُه السياقُ، وتقديرُ الكلامِ: إمَّا لَقِيَنِي كِرامٌ، ونحوُ ذلك، مرفوعٌ بذلكَ الفعلِ المحذوفِ، وعلامةُ رفعِه الضمَّةُ الظاهرةُ، (مُوسِرُونَ) نعتٌ لكِرَامٌ، ونعتُ المرفوعِ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِه الواوُ نيابةً عن الضمَّةِ؛ لأنَّه جمعُ مذكَّرٍ سالمٍ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسمِ المفردِ، (لَقِيتُهُمْ) لَقِيَ: فِعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على فتحٍ مقدَّرٍ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، والتاءُ ضميرُ المتكلِّمِ فاعلُ لَقِيَ، مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ رفعٍ، وضميرُ الغائبينَ العائدُ إلى كِرامٌ مفعولٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبٍ، وجملةُ الفعلِ الماضي وفاعلِه ومفعولِه لا محلَّ لها من الإعرابِ؛ تفسيريَّةٌ، (فحَسْبِيَ) الفاءُ واقعةٌ في جوابِ الشرطِ، حرفٌ مبنيٌّ على الفتحِ لا محلَّ له مِن الإعرابِ، حَسْب: اسمٌ بمعنَى كافٍ خبرٌ مقدَّمٌ، وحَسْب مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ جرٍّ، (مِن) حرفُ جرٍّ مبنيٌّ على السكونِ لا محلَّ له، (ذو) اسمٌ موصولٌ بمعنى الذي مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ جرٍّ بمِن، وإنْ رُوِيَتْ (ذِي) فهو مجرورٌ بمِن، وعلامةُ جرِّه الياءُ نيابةً عن الكسرةِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بحَسْب، (عِنْدَهُمْ) عندَ: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ يَقَعُ صلةً للموصولِ الذي هو ذو بمعنَى الذي، وعندَ مضافٌ وضميرُ الغائبينَ مضافٌ إليه مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ جرٍّ، (مَا) اسمٌ موصولٌ بمعنَى الذي مبتدأٌ مؤخَّرٌ، مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعٍ، (كَفَانِيَا) ، كفَى: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على فتحٍ مقدَّرٍ على الألفِ مَنَعَ مِن ظُهُورِه التعذُّرُ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يَعُودُ إلى الاسمِ الموصولِ الذي هو مَا، والنونُ للوقايةِ، وياءُ المتكلِّمِ مفعولٌ به مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ نصبٍ، والألفُ للإطلاقِ، وجملةُ كفَى وفاعلِه ومفعولِه لا محلَّ لها؛ صِلَةُ ما.
الشاهدُ فيه: قولُه: (فحَسْبِيَ مِن ذُو عِنْدَهُمْ) فإنَّ (ذو) في هذه العبارةِ اسمٌ موصولٌ بمعنى الذي، وقد رُوِيَتْ هذه الكَلِمَةُ بروايتيْنِ، فمِن العلماءِ مَن روَى (فحَسْبِيَ مِن ذِي عندَهم) بالياءِ، واسْتَدَلَّ بهذه الروايةِ على أن (ذا) الموصولةَ تُعامَلُ معاملةَ (ذِي) التي بمعنى صاحبٍ، والتي هي من الأسماءِ الستَّةِ، فتُرْفَعُ بالواوُ، وتُنْصَبُ بالألفِ، وتُجَرُّ بالياءِ؛ كما في هذه العبارةِ على هذه الروايةِ، ومعنى ذلك أنها معربةٌ ويَتَغَيَّرُ آخرُها بتغيُّرِ التركيبِ.
ومن العلماءِ مَن رَوَى (فحَسْبِيَ مِن ذُو عندَهم) بالواوِ، واسْتَدَلَّ بها على أن (ذو) التي هي اسمٌ موصولٌ مبنيَّةٌ، وأنها تَجِيءُ بالواوِ في حالةِ الرفعِ وفي حالةِ النصبِ وفي حالةِ الجرِّ جميعًا، وهذا الوجهُ هو الراجحُ عندَ النُّحاةِ، وسَيَذْكُرُ الشارِحُ هذا البيتَ مرَّةً أُخْرَى في بابِ الموصولِ، ويُنَبِّهُ على الروايتيْنِ جميعًا، وعلى أنَّ روايةَ الواوِ تَدُلُّ على البناءِ، وروايةَ الياءِ تَدُلُّ على الإعرابِ، لكِنْ على روايةِ الياءِ يكونُ الإعرابُ فيها بالحروفِ نيابةً عن الحركاتِ على الراجحِ، وعلى روايةِ الواوِ تكونُ الكَلِمَةُ فيها مبنيَّةً على السكونِ. فاعْرِفْ ذلك ولا تَنْسَهُ.
قالَ ابنُ مَنْظُورٍ في (لِسانِ العربِ) : (وأما قولُ الشاعرِ:
* فإنَّ بيتَ تَمِيمٍ ذُو سَمِعْتَ بِهِ *
فإن (ذو) هنا بمعنى الذي، ولا يكونُ في الرفعِ والنصبِ والجرِّ إلا على لفظٍ واحدٍ، وليسَتْ بالصفةِ التي تُعْرَبُ نحوُ قولِكَ: مَرَرْتُ برجلٍ ذي مالٍ، وهو ذو مالٍ، ورأيتُ رجلًا ذا مالٍ، وتقولُ: رأيتُ ذُو جَاءَكَ، وذُو جاءَاكَ، وذو جَاؤُوكَ، وذو جاءَتْكَ، وذُو جِئْنَكَ، بلفظٍ واحدٍ للمذكَّرِ والمؤنَّثِ، ومن أمثالِ العربِ: أتى عليه ذو أتَى على الناسِ؛ أي: الذي أتَى عليهم، قالَ أبو منصورٍ: وهي لغةُ طَيِّئٍ، وذو بمعنى الذي). اهـ.
وفي البيتِ الذي أَنْشَدَهُ في صدرِ كلامِه شاهدٌ كالذي معَنا على أَنَّ (ذو) التي بمعنَى الذي تكونُ بالواوِ ولو كانَ موضِعُها جرًّا أو نصبًا؛ فإنَّ قولَ الشاعرِ: (ذو سَمِعْتَ بهِ) نعتٌ لبيتَ تَمِيمٍ المنصوبِ على أنه اسمُ إنَّ، ولو كانَتْ (ذو) معربةً قالَ: فإنَّ بيتَ تميمٍ ذا سَمِعْتَ بهِ، فلَمَّا جاءَ بها بالواوِ في حالِ النصبِ عَلِمْنَا أنه يَرَاهَا مبنيَّةً، وبناؤُها كما عَلِمْتَ على السكونِ.