مِنْ وُجُوهِ مَعْرِفَةِ الْمُدْرَجِ، وَهُوَ مَا يَسْتَحِيلُ إِضَافَتُهُ إِلَى النَّبيِّ. وَبَيَّنَ وَجْهَ اسْتِحَالَتِهِ بِقَوْلِهِ: فَهَذَا الْكَلامُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ لا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ النَّبيِّ، إِذْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَصِيرَ مَمْلُوكًَا، وَأَيْضًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أُمٌّ يَبَرُّهَا، بَلْ هَذَا مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أُدْرَحَ فِي الْمَتْنِ.
وَذَكَرَ فِي «الْفَتْحِ» : أن أبا سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيَّ جَعَلَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ مَرْفُوعًا، وَجَوَّزَ مَا اسْتَحَالَهُ غَيْرُهُ، فَقَالَ: للهِ أَنْ يَمْتَحِنَ أَنْبِيَاءَهُ وَأَصْفِيَاءَهُ بِالرِّقِّ كَمَا اِمْتَحَنَ يُوسُف. وَتَأَوَّلَ الْكَرْمَانِيُّ قَوْلَهُ «وَبِرُّ أُمِّي» بِأَنَّهُ: أَرَادَ بِذَلِكَ تَعْلِيمَ أُمَّتِهِ، أَوْ أَوْرَدَهُ عَلَى سَبِيلِ فَرْضِ حَيَاتِهَا، أَوْ الْمُرَادُ أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ اهـ.
قُلْتُ: وَإِذَا صَحَّ الأَثَرُ بَطَلَ النَّظَرُ، وَإِذَا جَاءَ نَهْرُ اللهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، فَقَدْ ثَبْتَ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْ قَوْلِ النَّبيِّ هُوَ «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الْمُصْلِحِ أَجْرَانِ» ، لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْقَسَمِ وَالتَّمَنِّي مِنْ كَلامِ أَبِي هُرَيْرَةَ أُدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَنَّ مَنْ جَعَلَ الْكَلامَ كُلَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبيِّ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَوَهِمَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ «السُّنَنُ» (4/ 5/6) : أَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو قِلاَبَةَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ نَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِى وَهِىَ حَائِضٌ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبِىَّ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا إِنْ شَاءَ» ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَتُحْتَسَبُ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟، قَالَ: «نَعَمْ» .
وَأَخْرَجَهُ كَذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ «الْكُبْرَى» (7/ 326) ، وَالْخَطِيبُ «الْفَصْلُ لِلْوَصْلِ الْمُدْرَجِ» (1/ 154/ح 7) كِلاهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلاَبَةَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ.
وقال الْخَطِيبُ «الْفَصْلُ لِلْوَصْلِ الْمُدْرَجِ» (1/ 154) : وأَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ نَجِيحٍ مِنْ لَفْظِهِ نَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ خَيْرَانَ نَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِى وَهِىَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ، فَقَالَ: «فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا» ، قَالَ: فَيَحْتَسِبُ بِالتَّطْلِيقَةِ؟، قَالَ: «فَمَهْ!» .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا الْحَدِيثُ الأَوَّلُ، فَقَدْ صُرِحَ فِيهِ أَنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - اسْتَفْهَمَ النَّبيَّ بِقَوْلِهِ: أَفَتُحْتَسَبُ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟، وَأَنَّ النَّبيَّ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: «نَعَمْ» . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي، فَإِنَّ الاسْتِفْهَامَ أُدْرِجَ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ مِثْلُ الأَوَّلِ، وَذَلِكَ وَهْمٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الاسْتِفْهَامَ مِنْ قَوْلِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، وَأَنَّ جَوَابَهُ قَوْلٌ لابْنِ عُمَر بَيَّنَ ذَلِكَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الْمَازِنِيُّ فِي رِوَايَاتِهِمْ عَنْ شُعْبَةَ. ثُمَّ أَسْنَدَهُ الْخَطِيبُ (1/ 155 - 158) بِطُرُقِهِ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ.
قُلْتُ: وَرَوَاهُ كَذَلِكَ عَنْ شُعْبَةَ مُبَيَّنًا مُفَصَّلًا: بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ،