الصفحة 16 من 30

نهاية صاحب الزنج ودولته:

يقول ابن جرير الطبري: في سنة 270هـ:"وانتهى الموفق إلى نهر أبي الخصيب، فوافاه البشير بقتل الفاجر، ولم يلبث أن وافاه بشير آخر ومعه كف زعم أنها كفه، فقوي الخبر عنده بعض القوة. ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركض على فرسه ومعه رأس الخبيث، فأدناه منه، فعرضه على جماعة ممن كان بحضرته من قواد المستأمنة، فعرفوه. فخر لله ساجدًا على ما أولاه وأبلاه، وسجد أبو العباس وقواد موالي الموفق وغلمانه شكرًا لله، فأكثروا حمد الله والثناء عليه، وأمر الموفق برفع رأس الفاجر على قناة ونصبه بين يديه، فتأمله الناس وعرفوا صحة الخبر بقتله فارتفعت أصواتهم بالحمد لله" [1] .

أقول: إنه منظر مهيب يحرك المشاعر ويلين القلوب قبل العيون .. أن ترى جيشًا بأسره ساجدًا لله على ما أيدهم بنصره .. إنها صورة مهيبة بحق تهز كيان الإنسان وتزلزل مشاعره وأحاسيسه وهو يرى خليفة المسلمين وولي العهد وكبار القادة وسائر الجند وعوام المسلمين كبيرهم وصغيرهم يؤدون وظيفة العبودية لله وهم يمرغون وجوههم في التراب شكرًا وحمدًا لله رب العالمين قاصم الجبابرة .. الأمة كلها ساجدة لله رب العالمين؛ الذي أنقذهم وحررهم من هذا الورم الخبيث المسمى بصاحب الزنج الذي كاد أن يقضي على الأخضر واليابس .. وكادت شمس الخلافة أن تغيب!! إنه منظر يهيج القلوب المتعطشة إلى شفاء الصدور وذهاب الغيظ .. لقد كانت التسابيح والتهاليل تهز أركان الخلافة مغردة بالنصر المبين وشاكرة للرب العظيم .. لم نسمع طبلًا ولا زمرًا ولم نر رقصًا ولا عربدة لانتصارات مزيفة ولأبطال من ورق!! بل ردت الأمة وقادتها الأمر كله لله وحده .. وهذه المعاني لا تلامس شغاف قلوب العلمانيين لذلك لا يفهمونها ولا يشعرون بها!!

ويلخص لنا الطبري تلكم الحقبة بقوله:"وكان خروج صاحب الزنج في يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين، وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين، فكانت أيامه منذ خروجه إلى اليوم الذي قتل فيه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وكان دخوله الأهواز لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال سنة سبع وخمسين ومائتين" [2] .

2)يقول أبو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي في أحداث 255هـ:

(1) الطبري: السابق ج9ص663.

(2) الطبري: السابق ج9 ص663.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت