كان هدف البزَّار الأساسي وغرضه الأصيل من تصنيفه لمسنده هو جمع أحاديث كل صحابي على حدة؛ وبيان علل هذه الأحاديث, فهو كتاب علل مرتب على المسانيد, كما هو الحال في مسند علي ابن المديني, ومسند يعقوب بن شيبة؛ فقد وصفهما ابن رجب بقوله:"هما في الحقيقة موضوعان لعلل الحديث" [1] .
إلا أن البزًّار / لم يلتزم بهذا المنهج في جميع المسند؛ بل كان يُورد الحديث أحيانًا في مسند أكثر من صحابي, وأحيانًا لا يذكر الحديث إلا في مسند صحابي واحد, مع أنه قد جاء عن صحابةٍ آخرين, وينبه هو على ذلك, ومن أمثلة ذلك قوله:"وقد رواه جماعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , فاجتزينا بحديث أبي بكرٍ دون غيره" [2] .
ويضاف إلى ذلك أنه قد يذكر أكثر من طريقٍ للحديث الواحد في مسند الصحابي, ولكن قلما يفعل ذلك.
والأعم الأغلب أنه كان يكتفي بطريقٍ واحد للصحابي, وينبه أنه قد روي عن الصحابي من غير وجه وأنه تركها عمدًا.
وقد فعل ذلك لأنه ليس من غرضه - فيما يظهر - جمع أحاديث الصحابي كلِّها, واستيفاء طرقها, وإنما غرضه إيراد أسانيد معلَّة, وبيان عللها.
ومن أمثلة التزامه بذكر طريقة المسانيد قولهُ في حديث:
480 -حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الصُّدَائِيُّ، عَنْ سَعْدَانَ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ الْمَشْيُ: خَلْفَ الْجِنَازَةِ أَوْ أَمَامَهَا؟ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ وَمِثْلُكَ يَسْأَلُ عَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: وَمَنْ يَسْأَلُ عَنْ هَذَا إِلَّا مِثْلِي؟ إِنِّي رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشِيَانِ أَمَامَهَا، فَقَالَ: رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَغَفَرَ لَهُمَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعَا كَمَا سَمِعْنَا وَلَكِنَّهُمَا كَانَا سَهْلَيْنِ يُحِبَّانِ السُّهُولَةَ، يَا أَبَا سَعِيدٍ إِذَا مَشَيْتَ خَلْفَ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ، فَأَنْصِتْ وَفَكِّرْ فِي نَفْسِكِ كَأَنَّكَ قَدْ صِرْتَ مِثْلَهُ، أَخُوكَ كَانَ يُشَاحُّكَ على الدُّنْيَا خَرَجَ مِنْهَا حَرِيبًا سَلِيبًا، لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا تَزَوَّدَ مِنْ عَمِلٍ صَالِحٍ، فَإِذَا بَلَغْتَ الْقَبْرَ، فَجَلَسَ النَّاسُ، فَلَا تَجْلِسْ، وَلَكِنْ قُمْ عَلَى شَفِيرِ قَبْرِهِ، فَإِذَا دُلِّيَ فِي حُفْرَتِهِ فَقُلْ:"بِسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، اللَّهُمَّ عَبْدُكَ نَزَلَ بِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، خَلَّفَ الدُّنْيَا خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَاجْعَلْ مَا قَدِمَ عَلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَلَّفَ، فَإِنَّكَ قُلْتَ: {? ? ? ? ہ} [آل عمران: 198] ، ثُمَّ احْثُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ."
(1) شرح علل الترمذي (2/ 892) .
(2) المسند (1/ 183) .