المعاصي بقضاء الله لكان ذلك الفعل بقضاء الله، والرضا بقضاء الله واجب، فيلزم أن يجب على المكلفين الرضا بذلك الفعل. لأنه قضاء الله، فوجب أن يلزمهم الرضا بالفعل والترك معا، وذلك محال. والجواب: أن المراد من قضاء الرسول الفتوى المشروعة، والمراد من قضاء الله التكوين والايجاد، وهما مفهومان متغايران، فالجمع بينهما لا يفضي إلى التناقض.
وفي تفسير الطاهر بن عاشور:
* فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [65] * تفريع عن قوله * ألم تر إلى الذين يزعمون* وما بعده إذ تضمن ذلك أنهم فعلوا ما فعلوا وهم يزعمون أنهم مؤمنون، فكان الزعم إشارة إلى انتفاء إيمانهم، ثم أردف بما هو أصرح وهو أن أفعالهم تنافي كونهم مؤمنين بقوله * لا يؤمنون*، وأكده بالقسم وبالتوكيد اللفظي.
وأصل الكلام: فوربك لا يؤمنون، والعرب تأتي بحرف النفي قبل القسم إذا كان جواب القسم منفيا للتعجيل بإفادة أن ما بعد حرف العطف فسم على النفي لما تضمنته الجملة المعطوف عليها. فتقديم النفي للاهتمام بالنفي، كقول قيس بن عاصم:
فلا والله أشربها صحيحا ... ولا أشفى بها أبدا سقيما ويكثر أن يأتوا مع حرف النفي بعد العاطف بحرف نفي مثله في الجواب ليحصل مع الاهتمام التأكيد، كما في هذه الآية، وهو الاستعمال الأكثر، ولم أر في كلام العرب تقديم لا على حرف العطف إبطالا للكلام السابق، ووقع في قول أبي تمام:
لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم وليست لا هذه هي التي ترد مع فعل القسم مزيدة والكلام معها على الإثبات، نحو* لا أقسم* وفي غير القسم نحو* لئلا يعلم أهل الكتاب*، لأن تلك ليس الكلام معها على النفي، وهذه الكلام معها نفي، فهي تأكيد له على ما اختاره أكثر المحققين خلافا لصاحب الكشاف، ولا يلزم أن تكون مواقع الحرف الواحد متحدة في المواقع المتقاربة.
صفحة: 980
وقد نفي عن هؤلاء المنافقين أن يكونوا مؤمنين كما يزعمون في حال يظنهم الناس مؤمنين، ولا يشعر الناس بكفرهم، فلذلك احتاج الخبر للتأكيد بالقسم وبالتوكيد اللفظي، لأنه كشف لباطن حالهم. والمقسم عليه هو: الغاية، وما عطف عليها بثم، معا، فإن هم حكموا غير الرسول فيما شجر بينهم فهم غير مؤمنين، أي إذا كان انصرافهم عن تحكيم الرسول للخشية من جوره كما هو معلوم من السياق فافتضح كفرهم، وأعلم الله الأمة أن هؤلاء لا يكونون مؤمنين حتى يحكموا الرسول ولا يجدوا في أنفسهم حرجا من حكمه، أي حرجا يصرفهم عن تحكيمه، أو يسخطهم من حكمه بعد تحكيمه، وقد علم من هذا أن المؤمنين لا ينصرفون عن تحكيم الرسول ولا يجدون في أنفسهم حرجا من قضائه بحكم قياس الأحرى.
وليس المراد الحرج الذي يجده المحكوم عليه من كراهية ما يلوم به إذا لم يخامره شك في عدل الرسول وفي إصابته وجه الحق. وقد بين الله تعالى في سورة النور كيف يكون الإعراض عن حكم الرسول كفرا، سواء كان من منافق أم من مؤمن، إذ قال في شأن المنافقين * وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله* ثم قال * إنما كان قول