الصفحة 7 من 13

لاتصح أن تكون سببا في إلغاء حرية الفرد الآخر، فما من حرية مطلقة ينادى بها للفرد، إلا وفيها إلغاء لحرية فرد آخر، فهذا الشعار الجميل في مظهره، يحمل في تطبيقاته مشاكل كثيرة، شعر بها وعاشها دعاتها وشعوب أوربا، ولذا اضطروا، كما رأينا، إلى قيد: عدم الإضرار بالآخر .. ... لكن هذا القيد غير محدد، ويختلف من شخص إلى آخر، ومن أمة إلى أخرى، تماما كما هو الحال في المقيد (= الحرية) ، وإذا كان هذا القيد مختصا بالأفعال، فيمنع كل فعل يضر بالآخر، فليس من العقل إغفال قيد الأقوال، فالأقوال ربما لاتقل خطرا عن الأفعال، فكم من كلمة أشعلت فتنة وحربا. ... فالحرية جميلة، والقيد لابد منه، لكن الخلاف حول معنى"الحرية"، وحد القيد المحدد للحرية. ... - وإذا كان الفكر الليبرالي يرى الحل الديمقراطي هو الأمثل والبديل المناسب للملكية القسرية، فإن التجربة الديمقراطية أثبتت أنها ليست إلا وجها جديدا للحكم الملكي الدكتاتوري، فالسلبيات التي كانت تنشأ عن الحكم الملكي عادت في ظل حكم الأغلبية، فما الذي يمنع الأغلبية أن تمارس طغيانها الخاص، كما مارس الحكم الملكي طغيانه الخاص؟. ... والتجربة أثبتت أن رقابة المجتمع، في ظل الديمقراطية، لم تفد شيئا ذا بال، فالمشاكل متفاقمة، والتلاعب مستمر، وإذا ذهب وجه ديمقراطي منتخب بإسقاطه، لطغيانه، جاء وجه آخر، يمارس نفس الدور، في حلقة مفرغة، ودورة مستمرة لاتنتهي. ... وقد شعر بهذه المشكلة كبار الليبراليين والقانونيين: ..."فقد أدرك ملّ أن مشكلة تسلط الملوك وإن حلت تاريخيا بتجريدهم من صلاحياتهم أو بقطع رؤوسهم، تعود وتظهر بشكل طغيان الأكثرية أو من يمثلها في النظام الديمقراطي، والحل الدستوري (عبر القوانين وإصلاح المؤسسات، وإنشاء المحاكم العليا، وتعدد الأكثريات من خلال النسق التعاقبي للانتخابات إلخ .. ) لايحل المشكلة كليا، حتى لو تأكدنا أن الديمقراطية دستورية، يبقى، في نهاية المطاف، الدستور وتقرير أحكامه في يد الأكثرية. ... وقد أدرك توماس جيفرسون (1743 - 1826) هذه الحقيقة قبل ملّ، وتوكفيل، وتوماس جرين (1836 - 1882) ، وكونستانت وغيرهم، ممن أدركوا طبيعة هذه المشكلة وأبعادها، ففي نص القانون الذي يحمي حرية العبادة (كتبه جيفرسون عام1779، وصدقه المجلس الاشتراعي لولاية فرجينيا في العام 1786) ورد في الفقرة الأخيرة ما معناه: ... - نحن ندرك في هذا المجلس، الذي انتخبه الشعب لاشتراع القوانين، أن لاسلطة لنا على المجالس اللاحقة، التي سوف تنتخب بعدنا، ويكون لها صلاحية قانونية، ولانستطيع أن نجعل هذا القانون الذي اشترعناه اليوم غير قابل للنقض في المستقبل، وإن نحن فعلنا ذلك فلا يكون هذا صفة قانونية ملزمة، ولكننا نعلن أن كل من ينقض هذا القانون، أو يلغيه، أو يحد منه، إنما ينتهك حقوقا للإنسان طبيعية. ... وقول جيفرسون هذا يشير بوضوح إلى أنه أدرك أن الضمانة لاتكون في النهاية إلا بوعي المواطنين وبحكمتهم وأخلاقيتهم، ولم يجد جيفرسون في يده حيلة سوى العودة إلى مفهوم حقوق الإنسان الطبيعية". فهذه شهادة الليبراليين بعجز هذه المجالس النيابية الديمقراطية الليبرالية عن حفظ حقوق الإنسان الطبيعية، لو فرضنا أنها في إحدى الدورات ضمنت هذه الحقوق، إلا أنه لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت