فهرس الكتاب

الصفحة 752 من 867

وتكلم الناس في تنزيه الله تعالى عن الظلم هل هو منزه عنه مع قدرته عليه أم الظلم ممتنع لنفسه لا يمكن وقوعه. وتكلموا في محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه هل هو بمعنى إرادته وهو الثواب والعقاب المخلوق، أم هذه صفات أخص من الإرادة. وتنازعوا فيما وقع في الأرض من الكفر والفسوق والعصيان، هل يريده ويحبه ويرضاه كما يريد ويحب سائر ما يحدث؟ أم هو واقع بدون قدرته ومشيئته، وهو لا يقدر أن يهدي ضالًا ولا يضل مهتديًا؟ أم هو واقع بقدرته ومشيئته؟ ولا يكون في ملكه ما لا يريد وله في جميع خلقه حكمة بالغة، وهو يبغضه ويكرهه ويمقت فاعله ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يريده الإرادة الدينية المتضمنة لمحبته ورضاه، وإن أراده الإرادة الكونية التي تتناول ما قدره وقضاه، وفروع هذه المسئلة كثيرة. ولأجل تجاذب الأصل ووقوع الاشتباه فيه صار الناس فيه إلى التقديرات الثلاثة المذكورة في سؤال السائل، وكل تقدير قال به طواف بني آدم من المسلمين وغير المسلمين. (فالتقدير الأول) هو قول من يقول خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعة ولا لداع ولا باعث، بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة، وهذا قول كثير ممن يثبت القدر، وينتسب إلى السنة من أهل الكلام والفقه وغيرهم. وقد قال بهذا طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وهو قول الأشعري وأصحابه، وقول كثير من نفاة القياس الظاهرية كابن حزم وأمثاله. ومن حجة هؤلاء أنه لو خلق لعلة لكان ناقصًا بدونها مستكملًا بها، فإنه إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء أو يكون وجودها أولى به. فإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها، وإن كان الثاني ثبت أن وجودها أولى به، فيكون مستكملًا بها، فيكون قبلها ناقصًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت