الصفحة 7 من 49

هذا الذي بعث به الله الرسل، ما بعث الرسل لتقرير توحيد الربوبية لأن هذا موجود لكنه لا يكفي بل بعثهم لتوحيد الألوهية الذي هو إفراد الله تعالى بالعبادة وهو دين الرسل كلهم من أوَّلهم إلى آخرهم.

[فأوّلهم نوح عليه السَّلام] كما قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} [1] فدلّت الآية الكريمة على أن أول الرسل هو نوح عليه الصَّلاة والسَّلام، فنوح هو أول رسول بعد حدوث الشرك في الأرض، وتتابعت بعده الرسل على هذا المنهج الرباني وآخرهم محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو خاتمهم ولا نبي بعده إلى أن تقوم السَّاعة قال الله سبحانه وتعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [2] وقال - صلى الله عليه وسلم: «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» [3] فهو آخر الرسل عليهم الصّلاة والسَّلام وآخر الأنبياء لأن كل رسول نبي فلا يبعث بعده لا رسول ولا نبي فمن اعتقد أنه يبعث بعده رسول أو نبي فهو كافر قال - صلى الله عليه وسلم: «وسيخرج بعدي كذابون ثلاثون كل منهم يدعي أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» فمن لم يعتقد ختم الرسالة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأجاز أن يبعث بعده نبي فهو كافر بالله عز وجل مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين.

[أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين] الغلو هو مجاوزة الحد. والغلو في الصَّالحين هو اعتقاد أنهم ينفعون أو يضرون من دون الله، وود إلخ هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ماتوا في عام واحد، فحزن قومهم عليهم حزنًا شديدًا فجاء الشيطان إليهم وقال لهم: صوّروا صورهم وانصبوها على مجالسهم من أجل أن تتذكروا أحوالهم فتنشطوا على العبادة؛ جاءهم عن طريق النصيحة وهو يريد لهم الهلاك فخدعهم بهذه الحيلة واعتبروا هذه وسيلة صحيحة لأنها تنشِّط على العبادة، فهذا فيه التحذير من فتنة الصور وفتنة الغلو في الصالحين، وهؤلاء نظروا لمصلحة جزئية ولم ينتبهوا لما يترتب عليها من المفاسد فالإنسان لا ينظر إلى المصلحة الجزئية وينسى المضار العظيمة التي تترتب عليها في المستقبل. ثم أهلك قوم نوح بالطوفان فاندرست هذه الأصنام إلى أن جاء عهد الطاغية وهو ملك من ملوك العرب يقال له عمرو بن لحي الخزاعي، وكان له سلطان على الحجاز وكان في أول أمره رجلًا ناسكًا على دين قومه ولكن ذهب إلى الشام للعلاج، فوجد أن أهل الشام يعبدون الأصنام فدخل في فكره هذا الشيء فجاء إلى أهل الحجاز والجزيرة فدعاهم إلى الشرك وجاء الشيطان فأرشده إلى مواطن الأصنام التي كانت تعبد عند قوم نوح والتي سفى [4] عليها الرمل بعد الطوفان، فحفرها ونقَّب عنها فاستخرجها ووزعها على أحياء العرب فانتشر الشرك من ذلك الوقت. وكانت هذه الأصنام الموروثة عن قوم نوح هي أكبر الأصنام وإلا فلهم أصنام كثيرة حتى إنه كان حول الكعبة المشرفة ثلاثمائة وستون صنمًا اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى هي أكبر أصنامهم [ «ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر» ] [5] [وآخر الرسل محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي كسر صور هؤلاء الصَّالحين] كانت حال العرب الدينية قبل بعث النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - هي الوثنية ثم بعث الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بملة إبراهيم الحنيفية السمحة ودعاهم إلى التوحيد بمكة وبقي ثلاث عشرة سنة

(1) النساء: 163

(2) الأحزاب: 40

(3) رواه الترمذي في سننه بهذا اللفظ 6/ 368، 369 (34) كتاب الفتن (43) باب لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون حديث رقم 220 من حديث ثوبان رضي الله عنه. وانظر صحيح الإمام البخاري 4/ 162، 163، وصحيح مسلم 4/ 1791، ومسند الإمام أحمد 2/ 398 حديث رقم 9157، وسنن أبي داود 4/ 95، وسنن الدارمي 1/ 40.

(4) سفت الريح التراب تسفيه: ذَرَتْهُ، أو حَمَلتْه. انظر القاموس المحيط ص 1671 مادة «سفت» .

(5) انظر صحيح الإمام البخاري 6/ 73 من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه، كتاب التفسير باب ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا (إنا أرسلنا) بنحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت