وإنما خالفوا في توحيد الألوهية فهو محل النزاع وهو الذي شرع من أجله الجهاد في سبيل الله يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» [1] .
فلو كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يطلب منهم الإقرار بتوحيد الربوبية ما صار بينهم خصومة ولا نزاع لأنهم معترفون به. [كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلًا ونهارًا] وهذا أمر ثان من شأن المشركين كما أنهم يعترفون بتوحيد الربوبية فهم أيضًا يعبدون الله فيدعونه ويحجون إلى البيت ويعتمرون ويتصدقون ويعبدون الله بأنواع من العبادة لكنهم يخلطونها بالشرك بحيث يعبدون الله ويعبدون غيره، وهذا لا ينفعهم شيئًا لأن الشرك يبطل عبادتهم فالعبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص ولهذا يقول جل وعلا: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [2] وقال سبحانه وتعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [3] . ما اقتصر على قوله فليعمل عملًا صالحًا.
بل لابد أن يتجنب الشرك فإذا كان لم يتجنب الشرك ولو كان يعمل أعمالًا كثيرة فإنها تبطل ولا تنفع.
فالمشركون كان عندهم عبادات لله عز وجل وهي من بقايا دين إبراهيم الخليل عليه السَّلام، فكانوا في البداية على دين إبراهيم ولكن لما جاء عمرو بن لحي الخزاعي غيّر دينهم وأدخل فيه الشرك، لكن بقيت بقايا من دين إبراهيم عندهم وهم مشركون فهم يدعون الله خصوصًا إذا وقعوا في الشدة فإنهم يخلصون الدعاء لله عز وجل ويتركون دعاء الأصنام لأنها لا تنفع في هذا الموقف ولا تنجدهم في وقت الشدة عليهم بهذا فقال سبحانه: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا} [4] وقال تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [5] .
فالعبادات إذا خالطها شرك تكون باطلة. فالذين يدَّعون الإسلام الآن ويصلّون ويصومون ويحجّون ولكنهم يَدْعُون الحسين والبدوي وعبد القادر الجيلاني هؤلاء مثل المشركين الأولين؛ فالمشركون يتعبدون لله عز وجل ولكنهم يدعون اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ولا يقولون إن هذه أرباب بل يقولون هذه تقربنا إلى الله زلفى نريد منها الزلفى عند الله والتقرب إلى الله، فهي وسائط وشفعاء بيننا وبين الله. وهؤلاء يقولون الحسن والحسين وعبد القادر والبدوي إنما هم شفعاء لنا عند الله ولا يقولون إنهم يخلقون ويرزقون ويتصرفون في شيء من الأمور وإنما هذا لله عز وجل، إنما هؤلاء وسائط وشفعاء. ويقول بعض الناس هؤلاء مسلمون فنقول ولماذا لا يكون كفار قريش مسلمين أيضًا؟!.
وهذا القائل ليس عنده فهم للتوحيد ولا بصيرة لأنه ما فهم التوحيد. والواجب على الإنسان أن يعرف هذا الأمر لأنه مهم جدًا وهذه هي الثقافة الصحيحة. ليست الثقافة أن تعرف أحوال العالم والحكومات والسياسات، هذه ثقافة لا تنفع ولا تضر. الثقافة التي تنفع هي معرفة التوحيد الصحيح ومعرفة ما يضاده من الشرك أو ينقصه من البدع والمحدثات، هذه هي الثقافة الصحيحة وهذا هو المطلوب من المسلم ومن طالب العلم أن يعرف التوحيد وأن يدعو إليه هذا هو المطلوب. ماذا ينفع العلم الكثير من غير تحقيق ومن غير بصيرة؟ لا ينفع شيئًا ولا يفيد صاحبه شيئًا إذا لم
(1) رواه البخاري في صحيحه 9/ 140 - 141، كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفي رواية: «إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله» صحيح البخاري 1/ 11، 12 كتاب الإيمان باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم.
(2) النساء: 36
(3) الكهف: 110
(4) الإسراء: 67
(5) لقمان: 32