واعلم بأني قد نظمت مسائلًا ... لم آل فيها النصح غير مقلد
قوله: (نظمت) أي جمعت، نقول نظمت العقد أي جمعت حباته، فشبه هذه المنظومة بالعقد الذي جمعت حباته فكمل وحسن منظره.
قوله: (لم آل) أي لم أقصر ومنه قوله تعالى: (لا يألونكم خبالًا) أي لا يقصرون في خذلانكم.
النصح: هو إرادة الخير للمنصوح، والأصل في النصح الإخلاص، فأنا قد جئت لك بكلام واضح ليس فيه إشكال أريد به الخير لك.
قوله: (غير مقلد) أي غير متبع فيه رأي أحد، يعني أن كل المسائل التي أذكرها لك أنا اقتنعت بها وأخذتها عن دليل، واجتهدت في النظر فيها فألفيتها الصواب، ولم أقلد فيها أحدًا، وأما الإمام أحمد، فإني قد وافقته في اجتهادي ولم أقلده، إنما اجتهدت فوجدت الصواب ما ذهب إليه، ومن ذلك ما ذكره الرحبي في منظومته، فإنه لما أثنى على زيد بن ثابت في علمه بالفرائض، قال: لاسيما وقد نحاه الشافعي، يعني: أنا اتبعت زيدًا في الفرائض لاسيما أن الشافعي نحا نحوه، يعني وافق اجتهاده اجتهاد زيدٍ رضي الله عنه.
-حكم التقليد في العقيدة:
مسألة: هل يصح التقليد في مسائل الاعتقاد؟
قول الناظم (غير مقلد) يستدعي الوقوف على حكم التقليد في مسائل الاعتقاد.
وقد اختلف الناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: -
(1) القول الأول: أن التقليد في مسائل الاعتقاد حرام: فلا يجوز لأحد أن يقلد أحدًا في مسائل الاعتقاد. واحتجوا لقولهم بأن التقليد إنما يفيد الظن، والظن لا يجوز في مسائل الإعتقاد بل لابد من اليقين؛ لأنها من الأمور العلمية الخبرية فلا يكفي فيها الظن، بل لا بد من اليقين والقطع، والتقليد لا يحصل به إلا الظن. هذا ما ذهب إليه أهل القول الأول.
(2) القول الثاني: أن التقليد في مسائل الاعتقاد جائز، واحتجوا بأن النبي ^ كان يقبل من الناس الإيمان ومنهم الذكي والبليد والأعرابي والكبير والصغير والذكر والأنثى فيأتيه فيشهد أن لا إله إلا الله فيحكم بإسلامه دون استدلالات عقلية أو تراكيب منطقية.
(3) القول الثالث: أنه التقليد في مسائل الاعتقاد يجوز للضرورة فلا بد في