فإذا كان عالما بهذه المعاني التي تدعون الناس إليها، تقولون: الاستواء معناه الاستيلاء، النبي - صلى الله عليه وسلم - عالم بذلك أم غير عالم؟ سيقولون: عالم، طيب فإذا كان عالما فلا يخلو الأمر أن يكون قادرا على التعبير بعباراتهم أو غير قادر؟ والجواب: لا يقول عاقل أن هؤلاء أنباط الفرس، هؤلاء الأخلاط، هؤلاء المتهوكون، هؤلاء المضطربون، أقدر في التعبير من النبي - صلى الله عليه وسلم - بل هذا معلوم بالاضطرار ليس من أتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى من أعدائه، فقد شهدوا له أنه أفصح الناس عبارة.
إذن هو الآن هذا من باب الإلزام لهم، نقول لهم: هو الآن عالم بهذه المعاني التي جئتم بها، تأولتم بها نصوص الكتاب والسنة، وقادر على التعبير بهذه المعاني، إذا كان الآن عالم وقادر وتكلم بخلاف ذلك فهل نصح الأمة أم خان الأمة؟
-قد يكون هذا امتحانا لنا كما قالوا من قبل.
هذا لا يجوز أن يقولوا إنه امتحان، وسيأتي -إن شاء الله- الرد عليه أنه يمتحن الناس في هذه النصوص، لكن نقول الآن: هو عالم بعباراتكم، وقادر على التعبير بها، ثم يأتي ويردد على الأمة، خذوا على سبيل المثال: { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } (1) في سبعة مواضع، ما قال في موضع واحد"ثم استولى"، ولم يقل مرة واحدة إنني أردت ليس الاستواء الذي هو العلو والارتفاع الذي تفهمونه، إنما أردت معنى آخر، فهل يعتبر هذا ناصحا للأمة؟ لا يقول هذا العاقل.
إذن ما دام هو أعلم الأمة، وأفصح الأمة عبارة، وأنصح الأمة للأمة، فلا بد لو كان يريد غير هذه المعاني التي تظهر للناس ويريد معنى آخر أن يوضحها للناس، فلما لم يقل ولم يذهب إلى ما ذهب هؤلاء تبين أن الحق الذي لا مرية فيه ولا يقبل النقاش، الحق الذي تطمئن إليه النفوس، الحق الذي يتوافق مع الأدلة العقلية هو ما جاء به -عليه الصلاة والسلام- وما فهمه عامة المسلمين من ضواحي هذه النصوص. نعم.
(1) - سورة الأعراف آية: 54.