…وهكذا نرى توافر الأدلة على هذا الأصل العظيم ، مما يبرهن بوضوح أنَّ المسلم لا يمكن أن ينجو من الفتن ، كلِّ الفتن ، إلا إذا تمسك بهذا الأصل ، واتخذه منهاجًا يسير عليه ، ويثبت عليه حتى الممات ، وأن الإعراض عن تحكيم هذين المصدرين العظيمين سبب كبير لحصول الفتن ، وبخاصة عند الاختلاف ، فإن مسائل النزاع التي تتنازع فيها الأمة في الأصول والفروع ، إذا لم ترد إلى الكتاب والسنة الصحيحة لم يتبين فيها الحق ، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينه من أمرهم ، فإن رحمهم الله - تعالى - أقرَّ بعضهم بعضًا ، ولم يبغِ بعضهم على بعض ، وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم ، فبغى بعضهم على بعض ، إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه ، وإما بالفعل مثل حبسه وضربه وقتله ، وأيُّ فتنة أعظم من هذه الفتنة ؟!
المبحث الثاني
لزوم الجماعة
…إن من أهم الأمور التي ينجو بها المسلم من فتنة الصد عن سبيل الله - تعالى - ، وفتنة الاختلاف والتفرق لزوم الجماعة (21) ، والحذر من أسباب الفرقة والاختلاف .
…وإن في شرع ربِّنا المطهر ، المتمثل في الكتاب والسنة ما يدعو إلى لزوم الجماعة بقوة ، ويحذر من الاختلاف أيما تحذير .
…قال ربنا - عز وجل -: ( واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا ((22) ، ومما جاء في تفسير الحبل ههنا أنه: لزوم الجماعة (23) ، وقال عبدالله بن المبارك (24) - رحمه الله -:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا
منه بعروته الوثقى لمن دانا (25)
…وثبت في الحديث الصحيح: (( نضّر الله عبدًا سمع مقالتي هذه ، فحملها ، فرب حامل الفقه فيه غير فقيه ، ورب حامل الفقه إلى مَنْ هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن صدر مسلم ، إخلاص العمل لله - عزّ وجل - ، ومناصحة أولي الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ) ) (26) .