…وفي هذا دليل على ضلال من زعم أن النهي عن الصلاة فيها مختص بالمقابر المنبوشة لما فيها من النجاسة الحاصلة بالنبش وهذا ابعد شيء من مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو باطل من عدة أوجه:
…أما أولًا: فلأن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة المنبوشة وغير المنبوشة .
…أما ثانيًا: فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة الحاصلة بالنبش لأن قبور أنبيائهم لا تنبش ولو نبشت فهي من أطهر البقاع ليس للنجاسة عليها طريق البتة فإن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون .
…وأما ثالثًا: فإنه عليه الصلاة والسلام اخبر: أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ولو كان ذلك للنجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر أولى من ذكر القبور .
…وأما رابعًا: فلأنه عليه الصلاة والسلام قرن في اللعنة بين متخذي المساجد عليها وموقدي السرج لديها فهما في اللعنة قرينان وفي ارتكاب الكبيرة سيان .
…ومعلوم إن أيقاد السراج إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها وجعلها أوثانًا يوفض إليها وكذا اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها ولهذا قرن بينهما .
…وأما خامسًا: فلأنه عليه الصلاة والسلام قال:"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد اشتد غضب الله تعالى على قوم اتخذا قبور أنبيائهم مساجد".
…فذكره عليه الصلاة والسلام اشتداد غضب الله تعالى على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد عقيب:"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد"تنبيه منه على سبب اللعن لهم وهو: توسلهم بذلك إلى تصير قبورهم أوثانًا تعبد .