الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 352
كانوا لا يخشون الإسلام ويستطيعون التعبير عن كل شئ بدون حذر . ولا حاجة
إلى التخفي أو اللجوء إلى النفاق في وقوفهم بوجه الإسلام .
لكن عندما استحكم الإسلام واتسع في المدينة ، وأصبح أعداؤه من الضعف
بحيث يصعب عليهم التجاهر في عدائهم ، بل قد يتعذر ذلك عليهم في بعض
الأحيان ، لهذا اختار أعداء الإسلام المهزومون أن يواصلوا خططهم التخريبية من
خلال إظهار الإسلام وإبطان الكفر ، وانخرطوا ظاهرا في صفوف المسلمين ، بينما
ظلوا محافظين على كفرهم في باطنهم .
وهكذا تكون غالبا طبيعة أعداء كل ثورة ودعوة بعد إشتداد عودها وقوة
ساعدها ، إذ تواجه الكثير من الأعداء وكأنهم أصدقاء .
ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا نزلت كل تلك الآيات التي تصف المنافقين
وتشرح حالهم ، في المدينة ولم تنزل في مكة .
ومما يجدر الإشارة إليه أن هذه المسألة - أي مسألة النفاق - غير محصورة
بعصر الرسول ، بل إن جميع المجتمعات - وخاصة الثورية منها - تكون عرضة
للإصابة بهذه الظاهرة الخطيرة ، ولذلك يجب أن يدرس القرآن الكريم وما جاء فيه
من تجارب وإرشادات من خلال هذه النظرة الحيوية ، لا من خلال اعتبارها
مسألة تاريخية لا علاقة لها بالواقع . وبهذا يمكن استلهام الدروس والحكم
لمكافحة النفاق وخطوط المنافقين في المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر .
كذلك لابد من معرفة صفاتهم التي ذكرها القرآن بشكل تفصيلي ، ليتم التعرف
عليهم من خلالها استكناه خطوطهم ومؤامراتهم .
ومما تجدر الإشارة إليه أيضا أن خطر المنافقين يفوق خطر باقي الأعداء ،
لخفائهم وعدم القدرة على تشخيصهم بسهولة من جهة ، ولكونهم أعداء يعيشون
في داخل الجسم الإسلامي وربما ينفذون إلى قلبه نفوذا يصعب معه فرزهم
وتحديدهم من جهة أخرى .