الجملة الاعتراضية في القرآن الكريم
حقائق واوهام
شاكر سبع نتيش الاسدي
كلية الاداب - جامعة ذي قار
قال الإمام علي (ع) لعبد الله بن العباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارج: (( لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون. . . ) ) (1) وهذا البحث ينطبق عليه قوله (ع) لابن عباس، فهو وجه ارتأيناه لجمل مختارة من النص القرآني قيل عنها: انها اعتراضية، ولا يلغي ما قاله العلماء قبلنا، لكنه مجرد رأي علمي ينطلق من القول: إن التوسع في القول في الجملة الاعتراضية في القرآن الكريم يخل من بلاغته، ونحن لا نحكم بصحة رأينا، وإنما نطرحه مستندين للدليل فإن لقي القبول فمن الله وان لم يلق الرضا فالخلل من أنفسنا والله الموفق.
وليس هذا البحث دراسة في قواعد الجملة الاعتراضية فقواعدها مسطرة في كتب النحو القديمة والحديثة فقد درسوا مواضعها والفرق بينها والجملة الحالية وغير هذا، وهذا البحث يركز على النسق السياقي الذي تأتي فيه بعض الجمل الاعتراضية في القرآن الكريم، ومناسبتها دلاليا للنص الذي ترد فيه، والدلالة التي تضفيها على النص.
الجملة الاعتراضية: هي جملة ـ أو أكثر ـ واقعة في سياق كلام متصل معنىً، معترضة بين أجزائه المتلازمة أوالمتطالبة، ذات علاقة معنوية بالكلام الذي اعترضت بين أجزائه، غير معمولة لشيء منه، ويتم الغرض الأصلي بدونها غالبا ولا يفوت بفواتها (2) ويسميها بعضهم اعتراضا (3) وسماها قدامة التفاتا (4)
وتتميز الاعتراضية من الحالية بجواز دخول الفاء ولن وأحرف التنفيس، وكونها طلبية، وعدم قيام مفرد مقامها، وأنها لا محل لها من الإعراب (5)
و الجميع متفق على أن الجملة الاعتراضية لابد أن تأتي لمعنى لم يحدده بعضهم وترك الأمر مطلقا فقال إنها تاتي لنكته (6) غير أن أغلبهم يذكرونه في تعريفها فيقولون: إنهاتأتي لتوكيد الكلام أو تسديده أو تحسينه (7) أو تقويته (8) ومنهم من حصر دلالتها في أمرين، احدهما: إنها لا تدل على معنى زائد على ما دل عليه فهي مؤكدة، وثانيهما: أنها تدل عليه وعلى معنى زائد فهي مشددة (9) .
علاقات ما قيل إنه جملة اعتراضية بغيرها من الجمل في القرآن الكريم:
انقسم المفسرون والنحاة والبلاغيون على قسمين اشترط احدهما: أن يكون الاعتراض واقعا في أثناء كلام متصل معنى أو بين كلامين متصلين معنى، والآخر لا يشترط ذلك
ويجيزون أن يقع الاعتراض في آخر كلام لا يليه كلام، أو يليه كلام غير متصل به معنى، فالاعتراض عند هؤلاء يشمل التذييل ومن التكميل ما لا محل له من الإعراب جملة كان أو أكثر من جملة (10) والى هذا ذهب كثيرون منهم الزمخشري (538 هـ) (11) والطبرسي (584 هـ) (12) ,وأبو السعود (951 هـ) (13) وغيرهم (14) .
وأصحاب هذا القسم يقرون أن الجملة تذييل لكنهم يصرون على أنها اعتراض ولذلك يقولون عنها إنها اعتراض تذييلي ويؤكدون استقلالية الجملة الاعتراضية ومن امثلة النصوص القرآنية التي قالوا عنها هذا الكلام قوله تعالى: (( والله واسع عليم ) )من قوله تعالى: (( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) ) (المائدة: 54) قالوا: (( والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله وإظهار الاسم الجليل للإشعار بالعلة وتأكيداستقلال الجملة الاعتراضية ) ) (15) ولو ذهبنا إلى هذا الرأي لأصبح نصف القرآن جملا اعتراضية.
وقالوا في قوله تعالى: (( وهم بالآخرة هم يوقنون ) )من قوله تعالى: (( طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين، هدى وبشرى للمؤمنين، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون، إن الذين لا يؤمنون بالأخرة زيّنا لهم اعمالهم فهم يعمهون ) ) (النمل:1 ـ 4) (( جملة اعتراضية، كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة ) ) (16) .على الرغم من أنها واقعة بين معنيين متباينين.
وقالوا في قوله تعالى: (( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) )من قوله تعالى: (( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا، ولله ما في السماوات وما في الارض وكان الله بكل شيء محيطا ) ) (النساء: 125 ـ 126) (( هذه الجملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب ) ) (17) مع انه واقع بين كلامين غير متصل احدهما بالآخر وهو مرتبط بما قبله وغير مرتبط بما بعده ولا ندري كيف صار النصان