عنوان الفتوى : أيها أشد خطرًا : الشرك الأصغر أم الكبائر أم البدع ؟

مدة قراءة السؤال : دقيقة واحدة

أرجو ترتيب هذه المحرمات الخمس مبتدأ بأخطرها : ( شرك أصغر ، الكبائر، البدع ، شرك أكبر ، الصغائر ). أعلم أن أخطرها الشرك الأكبر وأن أقلها خطرا الصغائر ، لكن لا أدري ما بين هذا وهذا كيف يكون الترتيب .

مدة قراءة الإجابة : 12 دقائق


الحمد لله
لا شك أن الأمر كما قال السائل ، من أن : أخطر المحرمات على الإطلاق هو الوقوع في الشرك الأكبر ، فهو الذنب الذي يحبط جميع الأعمال ولا يغفره الله تعالى إلا بالتوبة منه ، ويغفر ما دونه لمن يشاء ، قال الله عز وجل : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) النساء/48 .
وقال الله سبحانه : ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) الزمر/65 .
وإن كان الشرك الأكبر هو أخطر المحرمات والذنوب لكنه داخل في الكبائر ، وإن كان أعظمها وأكبرها على الإطلاق .
فعن عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قال :" قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ( أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ) " . أخرجه البخاري (4477) ، ومسلم (86) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ) ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ ، قَالَ : ( الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ ) . أخرجه البخاري (6857) ، ومسلم (89) .

أما البدع فليست كلها على خطر واحد ، فالبدعة تنقسم باعتبار حكمها وما يترتب عليها إلى : بدعة مكفرة ، وبدعة غير مكفرة .
قال الشيخ حافظ حكمي في " معارج القبول "(3/1026) :
" ثم البدع بحسب إخلالها بالدين قسمان : مكفرة لمنتحلها ، وغير مكفرة .
فضابط البدعة المكفرة : من أنكر أمرًا مجمعًا عليه متواترًا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة من جحود مفروض ، أو فرض ما لم يفرض ، أو إحلال محرم ، أو تحريم حلال ، أو اعتقاد ما ينزه الله ورسوله وكتابه عنه ، من نفي أو إثبات ؛ لأن ذلك تكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به رسوله صلى الله عليهم وسلم ، كبدعة الجهمية في إنكار صفات الله والقول بخلق القرآن ، أو خلق أي صفة من صفات الله ، وإنكار أن يكون الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً ، وكلم موسى تكليمًا ، وغير ذلك ، وكبدعة القدرية في إنكار علم الله عز وجل وأفعاله ، وقضائه وقدره ، وكبدعة المجسمة الذين يشبهون الله تعالى بخلقه ، وغير ذلك من الأهواء .
ولكن هؤلاء منهم من علم أن عين قصده هدم قواعد الدين ، وتشكيك أهله فيه ، فهذا مقطوع بكفره ، بل هو أجنبي عن الدين من أعدى عدو له .
وآخرون مغرورون ملبس عليهم، فهؤلاء إنما يحكم بكفرهم بعد إقامة الحجة عليهم وإلزامهم بها.
والقسم الثاني : البدع التي ليست بمكفرة ، وهي ما لم يلزم منه تكذيب بالكتاب ولا بشيء مما أرسل الله به رسله ، كبدع المروانية التي أنكرها عليهم فضلاء الصحابة ، ولم يقروهم عليها ، ولم يكفروهم بشيء منها ، ولم ينزعوا يدًا من بيعتهم لأجلها ، كتأخيرهم بعض الصلوات إلى أواخر أوقاتها ، وتقديمهم الخطبة قبل صلاة العيد ، وجلوسهم في نفس الخطبة في الجمعة وغيرها ، وسبهم كبار الصحابة على المنابر ، ونحو ذلك مما لم يكن منهم على اعتقاد شرعيته ، بل بنوع تأويل وشهوات نفسانية وأغراض دنيوية " انتهى .

والبدع كذلك منها ما يكون من الكبائر ومنها ما يكون من الصغائر ، والضابط في التفريق بينها هو مدى إخلال البدعة بأصل من ضروريات الدين المعتبرة .
قال الشاطبي في " الاعتصام " (2/540) :
" الكبائر منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة وهي : الدين والنفس والنسل والعقل والمال ، وكل ما نص عليه راجع إليها ، وما لم ينص عليه جرت في الاعتبار والنظر مجراها ، وهو الذي يجمع أشتات ما ذكره العلماء وما لم يذكروه مما هو في معناه .
فكذلك نقول في كبائر البدع : ما أخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو كبيرة ، وما لا ، فهو صغيرة " انتهى .

أما الشرك الأصغر فإنه وإن كان داخلاً في الكبائر إجمالاً ، لكنه يعد من حيث جنسه - لا آحاده العارضة - أكبر من الكبائر العملية التي لا يصاحبها اعتقاد .
وقد نقل عن جماعة من السلف أنهم قالوا إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر ؛ محتجين بقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ ؟ قَالَ : الرِّيَاءُ ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً ) .
أخرجه أحمد (27742) ،  وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (1555) .
وكذلك بقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ( لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أحلف بغيره وأنا صادق ) .
أخرجه المنذري في " الترهيب والترغيب "(4/58) ، وصححه الألباني في " إرواء الغليل " (2562) .
فهذا قد يستدل به على ترجيح هذا النوع بخصوصه من الشرك الأصغر : الحلف بغير الله ، على خصوص الذنب المذكور معه : الحلف كاذبا ، لا أن ذلك يدل على أن كل ما قيل إنه من الشرك الأصغر ، شر من كل ما قيل إنه من الكبائر ؛ بل هذا كما قلنا من حيث الجنس والعموم ، لا من حيث الآحاد ؛ فمن الكبائر العظيمة ، ما هو أشنع من سواه من الشرك الأصغر .
سئل الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله :
" هل الشرك الأصغر أعظم من الكبائر ، وهل هذا القول على إطلاقه ؟ " .
فأجاب :
" الحمد لله ، دلت النصوص على أن الشرك فيه أكبر وأصغر :
فالأكبر مناف لأصل الإيمان والتوحيد ، وموجب للردة عن الإسلام ، والخلود في النار ، ومحبط لجميع الأعمال ، والصحيح أنه هو الذي لا يُغفر كما قال تعالى : ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ) .
وأما الشرك الأصغر : فهو بخلاف ذلك ؛ فهو ذنب من الذنوب التي دون الشرك الأكبر ، فيدخل في عموم قوله تعالى : ( وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ) .
وهو أنواع :
شرك يكون بالقلب كيسير الرياء ، وهو المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم : ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ) " فسئل عنه فقال: ( الرياء) .
ومنه ما هو من قبيل الألفاظ ، كالحلف بغير الله ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) .
ومنه قول الرجل : لولا الله وأنت ، وهذا من الله ومنك ، ولولا كليبة هذا لأتانا اللصوص ، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص ، كما جاء في الأثر المروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى : ( فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) .
ومنه قول الرجل : ما شاء الله وشئت .
وقد ذكر بعض أهل العلم أن الشرك الأصغر عند السلف أكبر من الكبائر ، ويشهد له قول ابن مسعود رضي الله عنه : " لأنْ أحلف بالله كاذبا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقا ".
ومعلوم أن الحلف بالله كذبا هي اليمين الغموس ، ومع ذلك رأى أنها أهون من الحلف بغير الله .
والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن الشرك الأصغر ليس على مرتبة واحدة ؛ بل بعضه أعظم إثما وتحريما من بعض .
فالحلف بغير الله أعظم من قول الرجل: ما شاء الله وشئت ، لأنه جاء في حديث الطفيل الذي رواه أحمد وغيره أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون: ما شاء الله وشاء محمد ، ولم ينههم صلى الله عليه وسلم عن ذلك في أول الأمر ، حتى رأى الطفيل الرؤيا وقصها على النبي صلى الله عليه وسلم :" فخطبهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ونهاهم عن ذلك ، وقال : ( إنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أنْ أنهاكم عنها لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ".
وفي رواية " قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد " وصححه محققو المسند برقم : (20694 ).
والظاهر أيضا : أن قول السلف الشرك الأصغر أكبر من الكبائر يعني مما هو من جنسه ، كالحلفِ ، فالحلفُ بغير الله أكبر من الحلف بالله كذبا ، كما في أثر ابن مسعود ، وجنس الشرك أكبر من جنس الكبائر ، ولا يلزم من ذلك أن يكون كلُّ ما قيل : إنه شرك أصغر ، يكون أكبر من كل الكبائر ، ففي الكبائر ما جاء فيه من التغليظ ، والوعيد الشديد ما لم يأت مثلُه في بعض أنواع الشرك الأصغر ، كما تقدم في قول الرجل: ما شاء الله وشئت. والله أعلم " انتهى كلامه حفظه الله .
http://www.albrrak.net/index.php?option=com_ftawa&task=view&id=17618

والله أعلم .

أسئلة متعلقة أخري
لا يوجود محتوي حاليا مرتبط مع هذا المحتوي...