الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فنقول للسائل أولا : إن ما كان من القضايا فيه حقوق مشتركة، مثل التركات، والحكم على الغائب، والميت ونحو ذلك. يجب أن يكون مرجعه ومرده إلى المحاكم الشرعية فهي التي بإمكانها التأكد منه، والاطلاع على حقائقه، والنظر في جميع جوانبه العالقة به. أما الفتوى فلا يصح الاعتماد عليها في مثل تلك الأمور التي لا تخلو غالباً من أبعاد غامضة وخلفيات لا يمكن أن يحاط بها عن طريق سؤال في ورقة.
ثم نقول: إن ما كان بيد الإنسان وفي حوزته يحكم له بملكيته ما دام حياً، فإذا مات انتقلت تلك الملكية إلى ورثته حتى تقوم البينة الشرعية على أن ما كان بيد ذلك الإنسان، أو ما تركه فيه دين لآخر، فعندئذ يحكم بمقتضى تلك البينة، ويؤخذ ذلك الدين من رأس المال قبل قسمه على أهله.
وعليه: فما تركه والدك ـ أيها السائل ـ يعتبر تركة بين الورثة حتى يثبت ثبوتاً شرعياً ما ادعي من أن فيه ديناً، وشهادة الأم لنفسها، أو شهادة ولدها لها لاغية، إلا أن هذا الابن الذي شهد لأمه لا حظ له في الإرث مما شهد على أنه دين ؛ لإقراره بأنه ليس ملكا لأبيه . أما سكوت والدتك عن تصرف زوجها في مالها هذه الفترة الطويلة فينظر فيه: هل له من سبب أم لا؟ فإذا كان لخوف أو حياء، أو نحو ذلك، فلها الحق بالمطالبة بما أكله من مالها من تركته بعد إثبات أصل الدين، وأن المانع هو الحياء أو الخوف، والإثبات يكون ببينة. أما إذا لم يكن لها عذر وقد سكتت هذه المدة الطويلة، والرجل يتصرف في مالها بحضرتها، أو علمها فالظاهر أنها لا حق لها في القيام بالمطالبة بشيء بعد هذا السكوت الطويل الذي لا داعي له، ففي (مواهب الجليل لشرح مختصر خليل) تأليف إمام المالكية في عصره أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المغريب المعروف بالحطاب: من ترك غيره يتصرف في ماله ويفعل فيه ما يفعل المالك في ملكه الدهر الطويل، فإن ذلك يسقط حقه. قاله: مالك، وابن وهب، وابن عبد الحكم وأصبغ.. والله تعالى أعلم.