إنه يخلص من هذا المقال - على نحو ما جاء به - أن اللحوم والدواجن والطيور المستوردة لم تذبح بالطريقة المقررة فى الشريعة الإسلامية، وإنما تضرب على رأسها أو يفرغ فى الرأس حشو مسدس مميت أو تصعق بالكهرباء، ثم تلقى فى ماء يغلى وأنها على هذا الوجه تكون ميتة.
وإذ كانت الميتة المحرمة بنص القرآن الكريم، هى ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح، أو ما مات حكما من الحيوان حتف أنفه من غير قتل بذكاة، أو مقتولا بغير ذكاة.
وإذ كانت الموقوذة - وهى التى ترمى او تضرب بالخشب أو بالحديد أو بالحجر حتى تموت - محرمة بنص القرآن الكريم فى آية {حرمت عليكم الميتة والدم} المائدة 3، حيث جاءت الموقوذة من المحرمات فيها، والوقذ شدة الضرب - قال قتادة كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه.
وقال الضحاك كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها، وفى صحيح مسلم عن عدى بن حاتم قال قلت يا رسول الله فإنى أرمى بالمعراض (المعراض سهم يصيب بعرض عوده دون حده) الصيد فاصيب.
فقال إذا رميت المعراض (خزق السهم نفذ فى الرمية والمعنى نفذ وأسال الدم، لأنه ربما قتل ولا يجوز فخزقه فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله) وفى رواية (فإنه وقيذ) .
(الجامع لأحكام القرآن للقرطبى 6 ص 48) وإذ كان الفقهاء قد اتفقوا على أنه تصح تذكية الحيوان الحى غير الميئوس من بقائه، فإن كان الحيوان قد أصابه ما يوئس من بقائه مثل أن يكون موقوذا أو منخنقا فقد اختلفوا فى استباحته بالذكاة.
ففى فقه الإمام أبى حنيفة وإن علمت حياتها وإن قلت وقت الذبح أكلت مطلقا بكل حال.
وفى إحدى روايتين عن الإمام مالك وأظهر الروايتين عن الإمام أحمد، متى علم بمستمر العادة أنه لا يعيش حرم أكله ولا تصح تذكيته، وفى الرواية الأخرى عن الإمام مالك أن الذكاة تبيح منه ما وجد فيه حياة مستقرة وينافى الحياة عنده أن يندق عنقه أو دماغه.
وفى فقه الإمام الشافعى أنه متى كانت فيه حياة مستقرة تصح تذكيته وبها يحل أكله باتفاق فقهاء المذهب.
والذكاة فى كلام العرب الذبح، فمعنى {ذكيتم} المائدة 3، فى الآية الكريمة أدركتم ذكاته على التمام، إذ يقال ذكيت الذبيحة أذكيها، مشتقة من التطيب، فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طيب.
والذكاة فى الشرع عبارة عن انهار الدم وفرى الأوداج فى المذبوح والنحر فى المنحور والعقر فى غير المقدور عليه، واختلف العلماء فيما يقع به الذكاة، والذى جرى عليه جمهور العلماء أن كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فهو آلة للذبح ما عدا الظفر والسن إذا كانا غير منزوعين، لأن الذبح بهما قائمين فى الجسد من باب الخنق.
كما اختلفوا فى العروق التى يتم الذبح بقطعها بعد الاتفاق على أن كماله بقطع أربعة هى الحلقوم والمرىء والودجان.
واتفقوا كذلك على أن موضع الذبح الاختيارى، بين مبدأ الحلق إلى مبدأ الصدر.
وإذ كان ذلك كان الذبح الاختيارى الذى يحل به لحم الحيوان المباح أكله فى شريعة الإسلام هو ما كان فى رقبة الحيوان فيما بين الحلق والصدر، وأن يكون بآلة ذات حد تقطع أو تخرق بحدها لا بثقلها، سواء كانت هذه الآلة من الحديد أو الحجر على هيئة سكين أو سيف أو بلطة أو كانت من الخشب بهذه الهيئة أيضا، لقول النبى عليه الصلاة والسلام (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا) (متفق عليه) لما كان ذلك فإذا ثبت قطعا أن اللحوم والدواجن والطيور المستوردة لا تذبح بهذه الطريقة التى قررها الإسلام، وإنما تضرب على رأسها بحديدة ثقيلة، أو يفرغ فى رأسها محتوى مسدس مميت أو تصعق بتيار الكهرباء ثم تلقى فى ماء مغلى تلفظ فيه أنفاسها - إذا ثبت هذا - دخلت فى نطاق المنخنقة والموقوذة المحرمة بنص الآية الكريمة (الآية 3 من سورة المائدة) وما ساقه المقال نقلا عن بعض الكتب والنشرات عن طريقة الذبح، لا يكفى بذاته لرفع الحل الثابت أصلا بعموم نص الآية الكريمة {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} المائدة 5، فضلا عن أنه ليس فى المقال ما يدل حتما على أن المطروح فى أسواقنا من اللحوم والدواجن والطيور مستوردا من تلك البلاد التى وصف طرق الذبح فيها من نقل عنهم ولابد أن يثبت أن الاستيراد من هذه البلاد التى لا تستعمل سوى هذه الطرق، ومع هذا فإن الطب - فيما أعلم - يستطيع أستجلاء هذا الأمر وبيان ما إذا كانت هذه اللحوم والطيور والدواجن المستوردة، قد أزهقت أرواحها بالصعق الكهرباء والإلقاء فى الماء المغلى أو البخار، أو بالضرب على رأسها حتى تهوى ميتة، أو بإفراغ محتوى المسدس المميت فى رأسها كذلك.
فإذا كان الطب البيطرى أو الشرعى يستطيع علميا بيان هذا على وجه الثبوت، كان على القائمين بأمر هذه السلع، استظهار حالها بهذا الطريق أو بغيرها من الطرق المجدية، لأن الحلال والحرام من أمور الإسلام التى قطع فيها بالنصوص الواضحة، فكما قال الله سبحانه {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} المائدة 5، قال سبحانه قبل هذا {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب} المائدة 3، وقد جاء فى أحكام القرآن (ج - 2 ص 555) لابن عربى فى تفسيره للآية الأولى فإن قيل فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس، فالجواب أن هذه ميتة وهى حرام بالنص.
وهذا يدل على أنه متى تأكدنا أن الحيوان قد أزهقت روحه بالخنق أو حطم الرأس أو الوقذ كان ميتة ومحرما بالنص.
والصعق بالكهرباء حتى الموت من باب الخنق، فلا يحل ما انتهت حياته بهذا الطريق.
أما إذا كانت كهربة الحيوان، لا تؤثر على حياته، بمعنى أنه يبقى فيه حياة مستقرة ثم يذبح كان لحمه حلالا فى رأى جمهور الفقهاء، أو أى حياة وإن قلت فى مذهب الإمام أبى حنيفة.
وعملية الكهرباء فى ذاتها إذا كان الغرض منها فقط إضعاف مقاومة الحيوان والوصول إلى التغلب عليه وإمكان ذبحه جائزة ولا بأس بها، وإن لم يكن الغرض منها هذا، أصبحت نوعا من تعذيب الحيوان قبل ذبحه، وهو مكروة، دون تأثير فى حله إذا ذبح بالطريقة الشرعية، حال وجوده فى حياة مستقرة، أما إذا مات صعقا بالكهرباء فهو ميتة غير مباحة ومحرمة قطعا.
وإذ كان ذلك كان الفيصل فى هذا الأمر المثار، هو أن يثبت على وجه قاطع أن اللحوم والواجن والطيور المستوردة المتداولة فى أسواقنا قد ذبحت بواحد من الطرق التى تصيرها من المحرمات المعدودات فى آية المائدة، لا سيما، لاالمقال لم يقطع بأن الاستيراد لهذه اللحوم من تلك البلاد التى نقل عن الكتب والنشرات اتباعها هذه الطرق غير المشروعة فى الإسلام لتذكية الحيوان، ومن ثم كان على الجهات المعنية أن تتثبت فعلا، بمعرفة الطب الشرعى أو البيطرى إذا كان هذا مجديا فى استظهار الطريقة التى يتم بها إنهاء حياة الحيوان فى البلاد الموردة، وهل يتم بطريق الذبح بالشروط الإسلامية، أو بطريقة مميتة تخالف أحكام الإسلام أو التحقق من هذا بمعرفة بعوث موثوق بها إلى الجهات التى تستورد منها اللحوم والطيور والدجاج المعروض فى الأسواق، تتحرى هذه البعوث الأمر وتستوثق منه.
أو بتكليف البعثات التجارية المصرية فى البلاد الموردة لاستكشاف الأمر والتحقق من واقع الذبح، إذ لا يكفى للفصل فى هذا بالتحريم مجرد الخبر، وإلى أن يثبت الأمر قطعا يكون الإعمال للقواعد الشرعية ومنها ما سبق فى افتتاح المقال من أن الأصل فى الأشياء الإباحة، وأن اليقين لا يزول بالشك.
امتثالا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم الذى أخرجه البزار والطبرانى من حديث أبى الدرداء بسند حسن (ما أحل الله فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا) .
وحديث أبى ثعلبة الذى رواه الطبرانى (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهوكوها وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها) وفى لفظ (وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها، رحمة لكم فاقبلوها) .
وروى الترمذى وابن ماجه من حديث سلمان (أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الجبن والسمن والفراء التى يصنعها غير المسلمين فقال الحلال ما أحل الله فى كتابه، والحرام ما حرم الله فى كتابه، وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه) .
وثبت فى الصحيحين (أنه صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة امرأة مشركة، ولم يسألها عن دباغها ولا عن غسلها) (الأشباه والظائر للسيوطى - تحقيق المرحوم فضيلة الشيخ محمد حامد الفقى سنة 1356 هجرية - 1938 م - ص 60 فى باب الأصل فى الأشباه الاباحة حتى يدل على الدليل على التحريم) والله سبحانه وتعالى أعلم بالموضوع (1313) استقبال الذابح للقبلة عند الذبح.
المفتى: فضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق.
13 جمادى الأولى 1401 هجرية - 19 مارس 1981 م.
المبادئ:
توجه الذابح بالذبيحة عند ذبحها نحو القبلة مختلف فيه بين الفقهاء والأولى التوجه متى تيسر للذابح ذلك.
سئل:
بكتاب مديرية الشئون البيطرية بمحافظة القاهرة المتضمن أنه بمناسبة إنشاء المجرز الآلى لمحافظة القاهرة بمنطقة البساتين، وإعداد الرسومات التنفيذية لهذه المشروع، وحرص المسئولين على أن تتم عملية الذبح طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية.
وأن المديرية لذلك تطلب بيان الحكم الشرعى فيما إذا كان يجب أن يكون الذابح والحيوان عند ذبحه موجها نحو القبلة الشريفة أو عدم وجوب هذا الشرط حتى تتمكن الإدارة من العمل بما يطابق الشريعة الإسلامية عند إعداد الرسومات التفيذية لهذا المشروع.
أجاب:
إن ابن قدامة (المغنى ج - 141 ص 46 مع الشرح الكبير) نقل عن ابن عمر وابن سيرين وعطاء الثورى والشافعى وأصحاب الرأى أنه يستحب أن يستقبل الذابح بذبيحته القبلة، وأن ابن عمر وابن سيرين قالا بكراهة أكل ما ذبح إلى غير جهة القبلة.
ونقل النووى فى المجموع (ج - 9 ص 83) استحباب توجيه الذبيحة إلى القبلة، لأنه لابد لها من جهة فكانت جهة القبلة أولى.
ونقل ابن رشد فى بداية المجتهد (ج - 1 ص 359) اختلاف الفقهاء فى هذا فقال إن قوما استحبوا ذلك وقوما أجازوا ذلك وقوما أوجبوه وقوما كرهوا ألا يستقبل بها القبلة.
وإذ كان ذلك فإذا كان توجه الذابح بالذبيحة وقت ذبحها نحو القبلة أمرا ميسورا، ويمكن العمل عليه فى الرسومات المقترحة كان أولى خروجا من اختلاف الفقهاء المنوه عنه - وبعدا بالمسلمين عن تناول ذبيحة مكروهة، امتثالا لقول الله سبحانه وتعالى {كلوا من طيبات ما رزقناكم} البقرة 57، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذى عن الحسن بن على رضى الله عنهما قال حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) والله سبحانه وتعالى أعلم
(المصدر: دار الإفتاء المصرية)