أنا مهندس إلكترونيات، وقد تخرجت هذا العام، وبدأت أعمل مباشرة, ومرتبي جيد ، والحمد لله -.لطالما دعوت الله أن يؤتيني العلم النافع والعمل الصالح والمال لأنفع المسلمين, فالكثير هنا فقراء جدًّا، أوضاعهم كارثية, وأسمع عما يحدث في سوريا وبورما، ولا أملك إلا أن أهب كل ما لدي لهم، إلا قوت يومي, وأعيش على أقل القليل أملًا في إنقاذ حياتهم على الأقل, وهنا في مصر الكثير من اللاجئين السوريين, ولا يحملون صفة شرعية، فترفض الجمعيات الخيرية مساعدتهم, وأوضاعهم مرعبة, وأعرف 26 سوريًا يسكنون في شقة صغيرة للغاية, إنها كارثة إنسانية, وهم يحتاجون دومًا للعلاج والدواء, والرجال لا أحد يريد توظيفهم, وهناك أطفال ونساء وعجائز.أريد أن أجعل من أمة المسلمين أمة قوية قادرة, وأريد أن أراها ممكنة في الأرض, فهذا حلمي, ووهبت نفسي له, وهنا نأتي لمشكلتي.
أحببت زميلة لي في الجامعة، ووعدتها بالزواج, وهي إنسانة شديدة الاحترام، وكانت دومًا بجانبي, وخير معين لي، وصارت جزءًا لا يتجزأ مني, وكنت صريحًا معها في كل ما أملك من البداية، وصريحًا معها أنها في المرتبة الثانية بعد خدمتي للمسلمين وقضية الإسلام, وأنه لا شيء سيحول بيني وبين ذلك, ولم أعدها إلا بما أملك، وأسأل الله ألا أكون ضللتها عن غير قصد.لأسباب عائلية اتفقنا ألا أفاتح أهلها في موضوع الزواج إلا بعد عامين من تخرجي؛ حتى أكون قد استقررت في عملي وحياتي, وكان ذلك طلبها، وكانت تخشى ألا يقبلوني لكوني طالبًا ولا دخل لي, وأنا احترمتها بشدة لذلك, لكني مع الوقت صرت أحس بثقل الأمانة على عاتقي, وصرت أخاف أن أكون ظالمًا لها خائنًا لأهلها بكلامي معها, ووعدي لها من خلف ظهورهم, وأصررت أن أتقدم لها, وبعد تخوف كبير وافقت وحدثت والدها, وذهبت إلى والدها أول مرة بمفردي، وشرحت له كل ظروفي وأوضاعي، وأبدى تفهمه للوضع, واتفقنا على زيارة عائلية لبيتهم للتعارف فقط, وبعدها ذهبت له ثانية، وأكدت له جميع ظروفي، وأنا أريد بذلك ألا أترك أي مجال للفهم الخطأ، وأكد لي تفهمه الشديد, ثم وقعت الواقعة, وحال بيني وبينها عمها ، على ما عرفت ، لضعف إمكانياتي المادية، ولا أعلم إن كانت هناك أسباب أخرى, فتحدثت مع والدها، وقال لي: إنه لا يعترض على شخصي، وبدأ الحديث عن أن مشاعر الشباب في هذه الفترة غير مستقرة، وهو يخشى على ابنته، وأنني حققت انتصارات سريعة في المجال المهني – تخرجت منذ بضعة أربعة أشهر، ولم أبحث عن عمل، بل جاءتني الفرص ، والحمد لله ، وأعمل بشركة عالمية كبيرة في تصنيع الإلكترونيات، وأنشأت شركتي أيضًا منذ عام ونحن في الدراسة، وهي الآن بدأت تحقق نجاحًا جيدًا، وسأتفرغ لها قريبًا – وأنني أحتاج إلى فترة استقرار نفسي, ثم ذكر في منتصف الكلام مشاكلي المادية، وأن إمكانياتي لا تؤهلني إلا لشراء شقة متواضعة في مكان متواضع, وفي النهاية اتفقت معه على أن أتقدم ثانية، لكن ابنته حرة حتى ذلك الحين, وتحدثت معها بعد ذلك مباشرة، ووعدتها بالعودة إليها, ولم أخلف أبدًا وعدي, وأحسست في كلامها بلومها الشديد لي، وأني تقدمت الآن ولم أنتظر، وأني لا أعرف معنى الزواج ومسؤولياته, وهذا دمرني نفسيًا تمامًا, واحترامًا لوالدها لا أراسلها إلا لأمر طارئ، ولا أحتج بأمر لمراسلتها، لكنها تغيرت بشدة تجاهي، ولا أعلم إذا كان ذلك منها أم بطلب من والدها أن تكون بعيدة عني, فأنا أعلم أنها طيبة القلب جدًّا, وأنا الآن لا أعلم ما العمل؟ فقد صرت أحس بوحدة قاسية جدًّا، فقد كانت الوحيدة التي تدعمني, ربما تقول لي: انسَ, وابدأ صفحة جديدة، لكني ، يا سيدي ، لا أنسى أي شيء, فهو بلاء من الله, فأنا أذكر كل تفاصيل حياتي من طفولتي إلى الآن, فقد توفي والدي منذ أربع سنوات, ولا زالت ذكرياته تطاردني, فقد كان نعم الأب والصديق, وأتذكر كل التفاصيل, وأخدع عقلي أحيانًا لأتغلب على ألمي ودموعي, وفي الأمس كنت أعد قائمة مهام اليوم بعد الفجر، وكتبت فيها أن أتصل بوالدي، ونظرت إلى ما كتبت وانتبهت لذلك, وآلمني ذلك جدًّا, وأنا أعيش حياتي بين العمل والقراءة والصلاة والدعاء، وبينهم أبكي مرارًا حتى أغفو من الإعياء, ولم أعد أعمل حبًّا في عملي، بل هروبًا من واقعي المؤلم، ورغبة في إصلاح الأمة، وتحقيق وعدي لها بالزواج, أعلم أنني أستطيع أن أقدم الكثير لبناء دولة الإسلام, وأعلم أن لدي إمكانيات كبيرة وهبني الله إياها، وأفكارًا كثيرة أعمل على تحقيقها, وكل يوم صباحًا أقرأ أخبار سوريا أول شيء, وأود أن أفعل أي شيء لهم, وأرى المال في يدي, ولا أعلم أيهم أولى: أنفسي أم الزواج أم هؤلاء الذين يموتون بسبب ذلك الملعون كل يوم؟
لا أفكر كثيرًا، وأشعر أن حياتهم أغلى من أي شيء، فأضع كل شيء ممكن لمساعدتهم, تنتقدني عائلتي كثيرًا لذلك, ولا أبالي، فالحق أحق أن يتبع، وأنا لا أقصر في حق عائلتي ماديًا, وهؤلاء إخوتي يموتون، وأرخص شيء لدي هو مالي، وهو لهم, لكني أخاف من أن أخلف وعدي لها، وأنام كل يوم خائفًا أترقب، وأخاف أن تضيع مني, وقدراتي المادية لم تزد كثيرًا, ولا أنسى أي شيء، وهذه مشكلتي.يا سيدي: لم أعد أعلم ما العمل، فهناك ضغط نفسي متواصل عليّ فانصحني ماذا أفعل؟