الحمد لله
أولاً:
يشترط لصحة النكاح أن يعقده ولي المرأة .
وولي الكتابية من كان على دينها من عصبتها : أبوها ، أو جدها ، أو أخوها ... ، فإن
لم يوجد أو امتنع : زوّجها القاضي المسلم إن وجد ، فإن لم يوجد : زوَّجها مدير
المركز الإسلامي في منطقتها ؛ لأن الأصل في ولاية النكاح أنها للأب ثم للعصبة
الأقرب فالأقرب ، فإذا عُدموا أو لم يكونوا أهلاً للولاية لأي مانع من الموانع ، أو
امتنعوا بغير حق : انتقلت الولاية إلى الحاكم أو من ينيبه . " فتاوى اللجنة الدائمة
" ( 18/ 162) .
وإن تزوجت المرأة بلا ولي ، أو زوجها إمام المسجد مع وجود وليها الذي على دينها ،
فهذا النكاح مختلف فيه بين الفقهاء ، فإن وقع : لم يُنقض ، مراعاة للخلاف .
وفي كثير من البلدان الإسلامية ، يتبنى القضاء الشرعي مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه
الله القائل بصحة نكاح المرأة من غير ولي .
وعليه : فإن لم يكن لك ولي على دينك ، أو كان لك ولي وامتنع عن تزويجك من هذا الزوج
بغير حق ، فعقد لك إمام المسجد ، فالعقد صحيح .
وإن كان لك ولي ولم يمنع تزويجك ، لكنك زوجت نفسك ، أو زوجك إمام المسجد ، فهذا
نكاح بلا ولي ، ولا يجوز ابتداء ، لكن ما دام أنه وقع ، فإنه لا ينقض ، وتكونين به
زوجة .
فأنت الآن زوجة لهذا الرجل المسلم في جميع الأحوال .
ثانيا :
لا شك أن الإسلام يأمر بالإحسان إلى الزوجة كما ذكرت ، بل هذا من الأمور المعلومة
المتقررة بالأدلة الكثيرة من القرآن والسنة ، وحسبك من ذلك قول الله تعالى : (
وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا
شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) النساء/19 .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) رواه
البخاري (3331) ومسلم (1468) .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ
لِأَهْلِي ) رواه الترمذي (3895) وابن ماجه (1977) وصححه الألباني في صحيح الترمذي
.
ومن العشرة بالمعروف :
1- التفاهم مع الزوجة ، ومشاورتها ، ومناقشتها ، والاستماع لنصحها ولو كانت غير
مسلمة .
2- إعطاؤها حقها في الاستمتاع ، فلا يقوم عنها حتى تقضي شهوتها .
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله : " ويستحب أن يلاعِب امرأته قبل الجماع ؛ لتنهض
شهوتُها ، فتنال من لذة الجماع مثل ما ناله ، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تواقعها إلا وقد أتاها من الشهوة مثل ما
أتاك لكيلا تسبقها بالفراغ ، قلت : وذلك إليَّ ؟ نعم إنك تقبِّلها ، وتغمزها ،
وتلمزها ، فإذا رأيتَ أنه قد جاءها مثل ما جاءك : واقعتها ) .
فإن فرغ قبلَها : كُره له النزع حتى تفرغ ؛ لما روى أنس بن مالك قال : قال رسول
الله صلى الله عليه و سلم : ( إذا جامع الرجل أهله فليصدُقها ، ثم إذا قضى حاجته :
فلا يَعجلها حتى تقضي حاجتها ) ؛ ولأن في ذلك ضرراً عليها ؛ ومنعاً لها من قضاء
شهوتها " انتهى من " المُغني " ( 8 / 136) .
وكلا الحديثين ضعيفان ، لكنهما صحيحان من حيث المعنى والفقه .
قال المناوي – رحمه الله - : " ( إذا جامع أحدكم أهله ) أي : حليلته ، قال الراغب :
وأهل الرجل في الأصل [ من ] يجمعه وإياهم سكن ؛ ثم عبر به عن امرأته .
( فليصدقها ) بفتح المثناة وسكون المهملة وضم الدال ، من الصدق في الود والنصح ، أي
: فليجامعها بشدة ، وقوة ، وحُسن فعل جماع ، ووداد ، ونصح ، ندباً .
( فإن سبقها ) في الإنزال وهي ذات شهوة :
) فلا يعجلها ) أي : فلا يحملها على أن تعجل فلا تقضي شهوتها ، بل يمهلها حتى تقضي
وطرها كما قضى وطره ، فلا يتنحى عنها حتى يتبين له منها قضاء أربها ؛ فإن ذلك من
حسن المعاشرة ، والإعفاف ، والمعاملة بمكارم الأخلاق والألطاف .
ويؤخذ من هذا الحديث وما بعده : أن الرجل إذا كان سريع الإنزال بحيث لا يتمكن معه
من إمهال زوجته حتى تنزل : أنه يُندب له التداوي بما يبطئ الإنزال ؛ فإنه وسيلة إلى
مندوب ، وللوسائل حكم المقاصد " انتهى من " فيض القدير " ( 1 / 325) .
3- ومن حسن العشرة عدم تعيير الزوجة بدينها ومخاطبتها بالكافرة ، فإن هذا مخالف
لأمر الله تعالى القائل : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )
النحل/ 125 .
ومخالف لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وصيته بالنساء كما سبق .
والمتزوج من كتابية قد تزوجها وهو يعلم دينها ، فما معنى أن يعيرها بذلك ، أو يقول
لها إنه لن يحبها حتى تغير دينها ؟!
ثالثا :
لا يجوز إكراه الزوجة الكتابية على الإسلام ، بل ولا إكراه غيرها من الناس لقوله
تعالى : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/ 256 .
رابعا :
الأصل أنه لا يجوز للمرأة طلب الطلاق ، إلا إن وجد العذر المبيح لذلك ، كامتناع
الزوج عن النفقة عليها ، أو تكرار إساءته وسوء عشرته لها ، وقد شرع الله لنا طريقا
عظيما لحل الخلافات الزوجية ، وهي أن تختار المرأة رجلا من أهلها ، ويختار الزوج
رجلا من أهله ، فيقفان على أسباب الخلاف ، ويسعيان للعلاج ، ويقرران ما يريانه من
البقاء على النكاح أو الطلاق .
قال تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ
أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ
بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) النساء/ 35 .
فليس صحيحا أن المشاكل الزوجية لا يطلع أحد عليها ، فإذا حصل الخلاف ولم يتمكن
الزوجان من حله ، فلا سبيل إلا توسيط من يصلح بينهما ويقف على أسباب الخلاف ويسعى
لمعالجته .
وإننا نلمس من سؤالك أنك محبة لزوجك ، راغبة في البقاء معه ، ولهذا نقول : لا
تستعجلي في أمر الطلاق ، واحرصي على علاج هذه المشاكل ، ولْيعلم زوجك أنه مأمور
بتحكيم شريعته في هذا الخلاف .
وهذ المبدأ لو تقرر في حياتكما ، ضمن لكما السعادة بإذن الله ، فكل خلاف يجب عرضه
على شرع الله الذي يؤمن به زوجك ، وتحترمينه أنت : كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله
عليه وسلم ، ليعرف المحق من المبطل ، وللشريعة أهلها المختصون بعلمها ، فلا يستنكف
الزوج أن يرجع إلى إمام المركز الإسلامي أو غيره من أهل العلم بالشريعة ، وأن يعرض
هو وزوجته المشكلة عليه ، أو يكتبا مشكلتهما ، ويطلبا حكم الشريعة فيها ، ولن تأتي
لك الشريعة إلا بالخير العظيم ، والكرامة التي تنشدينها .
خامسا :
إننا لنلمس كذلك من سؤالك عقلا راجحا ، ومنطقا سليما في التفكير ، وأنت مصيبة في
جميع ما ذكرت - بحسب سؤالك - ولهذا نقول :
مثلك لا ينبغي أن يتخلف عن هذا الدين العظيم ، فإنه الدين الموافق للعقل والفطرة ،
المعلي لشأن الأخلاق والقيم ، الذي يحث أتباعه على حسن المعاملة ، ومراعاة الشعور ،
والإحساس بالآخرين ، وإنصاف للضعفاء ، واحترام الآدمية ، وتكريم الإنسان ، وهو دين
واقعيٌ عملي ، فيه عشرات النصوص التي تعالج المشاكل الزوجية ، والقضايا الاجتماعية
، وهو كفيل بسعادة الأسرة ، والأمة ، والبشرية .
فنصيحتنا الصادقة لك : أن تبذلي الجهد في معرفة الإسلام من مصادره الصحيحة ، وأن لا
يحجبك عنه سوء تصرفات أتباعه ، فإن الأتباع فيهم الصالح والطالح ، والمحسن والمسئ ،
وهكذا الأمر في أتباع الأنبياء جميعا .
وإنه ليسرنا أن يكون موقعنا أحد المصادر التي ترجعين إليها .
نسأل الله أن يشرح صدرك للإسلام ، وأن يهدي قلبك للإيمان ، وأن يكتب لك التوفيق
والسعادة في الدنيا والآخرة .
والله أعلم .