الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فما ذكرته من الخلاف ونسبة الأقوال إلى العلماء صحيح، والراجح إن شاء الله هو قول الجمهور، وأن الغُسل للجمعة يجزئ من أول النهار، ويدل لذلك حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة.... الحديث، فإن اليوم يبدأ من طلوع الفجر.
قال الموفق رحمه الله: ولنا - أي على مالك - قول النبي صلى الله عليه وسلم: من اغتسل يوم الجمعة. واليوم من طلوع الفجر. انتهى
وأيضا فإن ثم تفيد التراخي كما هو معلوم، وأيضا فإن المعنى من التنظف للجمعة والتهيؤ لها يحصل بالاغتسال أول النهار، وإن كان تأخير الغُسل ليكون متصلا بالرواح أكمل.
قال ابن رجب رحمه الله: وقوله : ( ( ثم راح ) ) يدل على أنه لا تحصل سنة الاغتسال للجمعة إلا قبل صلاة الجمعة ، وأنه لو اغتسل بعد الصلاة في بقية اليوم لم يكن آتياً بفضيلة الغُسل... ويدل على أنه يحصل المقصود بالغُسل وإن اغتسل أول نهار الجمعة إذا كان الرواح متعقباً له. فإن لم يتعقبه الرواح ، بل أخر الرواح إلى بعده ، فقال أكثر العلماء : تحصل له - أيضاً - سنة الغُسل ، فقالوا : ( ( ثُمَّ ) ) تقتضي التراخي ، فيصدق ذلك بأن يؤخر الرواح إلى الزوال . وتأخير الغُسل إلى حين الرواح أفضل ، نص عليه أحمد وغيره . وذهب طائفة إلى أنه لا تحصل له فضيلة الغُسل إلا بأن يتعقبه الرواح ، وهو قول مالكٍ ، وحكاه الطحاوي عن الأوزاعي. ومذهب مالكٍ في ذلك أنه لا يجزئ الغُسل إلا متصلا بالرواح ، فإن اغتسل وراح ، ثم أحدث أو خرج من المسجد إلى موضع قريب ، لم ينتقض غسله ، وإن تباعد أو تغدى أو نام انتقض غسله وأعاده - : ذكره في ( ( تهذيب المدونة ) ) . واستدلوا بقوله : ( ( إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل ) ) . ويجاب عنه : بأن هذا كقوله تعالى ( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] الآية ، المراد : أنه يتضيق الوجوب على القائم للصلاة ، فكذلك يتضيق وقت الغُسل على الآتي إلى الجمعة. فأما إن كان قد فعله قبل ذلك فإنه يجزئه ، ولا اعادة عليه منذ قيامه ورواحه . كمن أدى الدين الواجبٍ عليه قبل تضايق وقت أدائه ، فإنه لا يؤمر بأدائه مرة أخرى بعد ذلك. انتهى
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح حديث: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل: وَالْفَاء لِلتَّعْقِيبِ ، وَظَاهِره أَنَّ الْغُسْل يَعْقُب الْمَجِيء ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَاد، وَإِنَّمَا التَّقْدِير إِذَا أَرَادَ أَحَدكُمْ ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع عِنْد مُسْلِم وَلَفْظه " إِذَا أَرَادَ أَحَدكُمْ أَنْ يَأْتِي الْجُمُعَة فَلْيَغْتَسِلْ " وَنَظِير ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ( إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) فَإِنَّ الْمَعْنَى إِذَا أَرَدْتُمْ الْمُنَاجَاة بِلَا خِلَاف . وَيُقَوِّي رِوَايَة اللَّيْث حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي قَرِيبًا بِلَفْظِ " مَن اِغْتَسَلَ يَوْم الْجُمُعَة ثُمَّ رَاحَ " فَهُوَ صَرِيح فِي تَأْخِير الرَّوَاح عَن الْغُسْل. انتهى.
والله أعلم.