مرحبًا بكِ أختنا الفاضلة في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكِ لصالح القول والعمل.
بدايةً: فإن من صور الابتلاء أن يكون للإنسان أبٌ أو أم يصعب إرضاؤه، أو يكون ذا شخصية حادة ومتقلبة المزاج وشديدة الطباع، ولا شك أن هذا من صور الابتلاء والامتحان التي تحتاج إلى صبرٍ وحسن تدبيرٍ في إدارة العلاقة، بحيث لا يقع منكم عقوق، وفي الوقت نفسه تتجنبون مزيدًا من الأذى وآثاره النفسية عليكم، وفي سبيل تحقيق هذا التوازن، أضع بين يديك مجموعة من التوجيهات والنصائح، راجيًا من الله أن يوفقك للعمل بها:
أولًا: البرّ والإحسان لا يسقطان بسبب قسوة الأب:
قسوة الأب أو سوء طباعه لا يبرران مقابلته بالقسوة، أو الشدة، فالأصل في علاقة الأبناء بوالدهم أن تقوم على البر والإحسان والمعروف، ما لم يأمر بمعصية أو ظلم أو فساد، فالقاعدة الشرعية المقررة هي كما في نص الحديث: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وفي الحديث الآخر (إنما الطاعة في المعروف) وقال تعالى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، فالمطلوب هو الجمع بين الثبات على الحق، وعدم الطاعة في الخطأ، مع بقاء الأسلوب الحسن والقول الكريم.
ثانيًا: الحد الأدنى من البر هو أداء الحقوق دون تقصير:
التعامل مع الأب القاسي أو صعب الإرضاء، يكون بإعطائه حقوقه من البر والإحسان والطاعة في المعروف، مع المبادرة إلى تلبية حاجاته قبل أن يطلبها؛ فهذا من أدنى درجات البر: أن تبادروا ولا تتركوه مضطرًا إلى السؤال، وما زاد على ذلك من إحسانٍ زائدٍ، فهو فضل تؤجرون عليه عند الله تعالى.
ثالثًا: مسألة النفقة:
الأصل أن الأب مسؤول عن النفقة على أولاده حتى يقدروا على الكسب، أما البنات فالجمهور على أن نفقتهن واجبة على الأب حتى يتزوجن، فإذا كان الأب قادرًا على العمل وأنتم تنفقون عليه مع قدرته، وكان متعمدًا ترك العمل؛ فهذا تفريط يُسأل عنه أمام الله تعالى؛ لأنه تضييع للأمانة التي حمّله الله إياها، وقد جاء في الحديث: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت)، ومع ذلك: يجب على الأبناء الموسرين أن ينفقوا على أبيهم إذا كان محتاجًا، سواء كانت حاجته بسبب عجزٍ حقيقي، أو لمروره بمرحلة بحث عن عمل، وفي حال والدكم، يظهر أنه الآن بلا عمل؛ فإن كان عاجزًا عن إيجاده فله حق النفقة، وإن كان قادرًا ممتنعًا فإثمه على نفسه، ولكم أجر البر والإحسان والنفقة في الحالين.
رابعًا: السلوكيات المنحرفة تحتاج إلى تدخل حكيم:
سلوكيات الأب الخاطئة، مثل الخيانة أو الاعتداء على الأم، لا ينبغي تجاهلها حتى لا تتفاقم، ولا مواجهتها بعنف يزيد المشكلة تعقيدًا، بل تحتاج إلى تدخل حكيم من طرفٍ ثالث له مكانة واحترام عنده، كأحد كبار العائلة، أو من يثق برأيه، لينصحه ويتحاور معه بشأن خطورة هذه السلوكيات وآثارها على الأسرة وسمعتها واستقرارها، خصوصًا وأنكن فتيات مقبلات على الزواج، وقد أرشد الله تعالى إلى مبدأ التحكيم عند وقوع الشقاق فقال ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ۚ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾.
خامسًا: مسألة الاستقلال بالسكن:
ترك المنزل أو الاستقلال بسكنٍ آخر لا يُلجأ إليه، وعليكم بالصبر على والدكم، وبما أنه منعزل عنكم فالخير كل الخير أن تبروه، وتقوموا بواجبه، فهذا باب للجنة مفتوح لكم، ولعله قد يكون من أفضل أعمالكم القيام ببره والصبر عليه، والمشاكل النفسية التي تعيشونها هي بسبب طريقة تفكيركم في الأمر، أنتم تحملون والدكم كل الأخطاء وترون مشقة في القيام بواجبه، لذلك تحملون الهم والعناء، ولكن لو تغير تفكيركم بأن تنظروا إلى عظيم الوالد وما أوجب الله من حقه، ثم التفكر كم سيكون لكم من الأجر في الصبر عليه، لأن الصبر عملية مهمة في حياتنا، يجب ألا تذهب عن بالكم، هناك أمور -أختنا الفاضلة- لا يمكن حلها إلا بالصبر فقط، لذا كان الصبر من أعظم لعبادات التي حث الله عليها في القرآن، ووعد أهلها بالجزاء العظيم الذي لا حدود له ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فإذا فكرتم بهذه الطريقة، وأنتم تنتظرون الأجر من الله، سيسهل عليكم التعامل مع هذه المشكلة -بإذن الله-.
سادسًا: أثر الإحسان والرفق:
القلوب بين يدي الله يقلبها كيف يشاء، وقد ورد في الحديث: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه)، فالمبالغة في الإحسان والرفق، مع ضبط النفس والتحكم في ردود الأفعال، قد يكون لها أثر بالغ في تليين القلوب، وكثير من الانفعالات تزداد بسبب الدخول في نقاشات أثناء لحظات الغضب.
لذلك، من الحكمة تجنب الحوار في أوقات الانفعال، والانتظار حتى تهدأ النفوس، ثم فتح باب الحديث بأسلوب هادئ وغير مباشر إذا لزم الأمر أو تجاهلها.
سابعًا: فهم أسباب الانفعال:
قد يكون من أسباب حدة طباع والدكم فقدانه للعمل، أو شعوره بالعجز، أو ضغوط نفسية لا تعلمونها، هذه احتمالات واردة، ولا تبرر الخطأ، لكنها تساعد على فهمه والتعامل معه بقدر من الحكمة، ساعدوه على تجاوز هذه المرحلة بالحوار اللطيف، وإشعاره بالتقدير والاحترام.
بعض الأمور لا تستحق الدخول في صدام مباشر، ويمكن تجاوزها إذا لم يترتب عليها ضرر، إشعاره بأن رأيه مسموع وله مكانة قد يعزز لديه الإحساس بالقيمة، أما كثرة اللوم والنقد والصراخ فإنها غالبًا تزيد المشكلات تعقيدًا.
ثامنًا: كسر أجواء التوتر:
حاولوا الخروج من أجواء التوتر المنزلي إلى أنشطة عائلية، كرحلة قصيرة أو جلسة أسرية هادئة، قدّموا له هدية بسيطة، وعبّروا له عن مكانته وفضله، مثل هذه المبادرات تذيب شيئًا من الجمود وتخفف الاحتقان، أما الابتعاد العاطفي الكامل فقد يزيد الفجوة ولا يعالج أصل المشكلة.
تاسعًا: حماية صحتك النفسية:
الاستغراق المستمر في التفكير بالمشكلات يرفع مستوى التوتر ويمنعك من بناء نفسك وتحقيق إنجازاتك، وذكركِ لمشكلات في القلب نتيجة التوتر مؤشر خطير يدل على أثر نفسي متراكم؛ لذلك، ابتعدي تدريجيًا عن أجواء الشحن والانفعال، وارتبطي بأنشطة نافعة خارج دائرة المنزل، كالسفر القصير، أو حلقات تحفيظ القرآن، أو الدورات العلمية، أو أي نشاط تربوي يحقق لك توازنًا نفسيًا، واعملي على بناء ذاتك، ولا تجعلي حياتك متوقفة عند دائرة هذه المشكلات.
أخيرًا: أكثري من الدعاء والتضرع إلى الله أن يصلح والدكم ويهدي قلبه ويتوب عليه، فالله تعالى يقول ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، ثقي أن القلوب بيد الله، وأن الفرج قد يأتي من حيث لا تحتسبون.
وفقكم الله، ويسّر أمركم، وأصلح أحوالكم.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)