بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فنسأل الله أن يسهل أمرك، وأن يلهمك رشدك، وأن يعينك على بر والديك.
فإن الوالدين هما أعظم الناس حقاً على الإنسان، وطاعتهما بعد طاعة الله وعبادته، ولن يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه، ورضا الله في رضا الوالدين.
وهنئياً لمن رزقها الله علماً شرعياً ردها الله به إلى صوابها، ومرحباً بمن اختارت موقعها ليكون كل إخوانها وآبائها في خدمتها.
وأرجو أن تعلمي أن تقصير الوالدين لا يبيح لنا عقوقهما، كما أن ما حصل لك ينبغي أن يحمل على أحسن الوجوه، فالتمسي لهم الأعذار، واستغفري ربك الغفار، وأكثري من الصلاة والسلام على نبينا المختار.
ويؤسفنا أن نقول: إن بعض الآباء والأمهات يظنون أن القسوة مع الأبناء تفيدهم في مستقبل الحياة، وغالباً ما يكون الأب والأم قد تربوا بنفس الطريقة على القسوة والجفاف العاطفي، وفاقد الشيء لا يعطيه، وربما ظن بعضهم أن تقتيره على أبنائه وبناته وتربيتهم على الشظف يؤهلهم لمواجهة صعوبات الحياة، ونحن لا نوافق على هذه الأفكار، لكننا قد نلتمس لمن يحملها بعض الأعذار، مع تنبيهنا على سلبياتها على الكبار والصغار؛ لأنها أخرجت لنا أجيالاً ذليلة ضعيفة مترددة معقدة، ليس لها طموح، تحب الهوان، وتؤثر العافية، وقد أحسن من قال:
من يهن يسهل الهوان عليه *** ما لجرح بميت إيلام
وأرجوا أن تعرفي أن إصرار الوالد على عودتك يدل على حبه لك، وخوفه عليك، ولكنه لا يحسن التعبير عن هذه المشاعر، وإنما يظهر ما يشير إليها في مثل هذه المواقف، أو عندما يمرض الإنسان، أو يبعد أو يفقد، وهذا كله مما لا يصلح في عصر العواطف العواصف والمشاعر المتدفقة، ولكنها وللأسف معظمها بالحرام، وليتنا أظهرنا هدي نبينا صلى الله عليه وسلم مع الأطفال ومع أهله، وملاطفته للصغير والكبير، ولا شك أن عدم الوفاق بين الوالدين له آثاره السالبة على الأولاد، وخاصة على الإناث.
واحمدي الله الذي حماك وردك إلى دينه، فكوني رسول إصلاح، وانقلي بينهم مشاعر الود، ونمّي بينهم الخير في المساء والصباح.
وحاولي أن تكوني صديقة لوالديك، وأشعريهم بلطف بما تحتاجين إليه، وحاوريهم بهدوء، ولا تتألمي إذا حصل صدود، فإن ذلك غير مقصود، لأنهما لم يعتادا على أسلوب الحوار، ولأنهم يطبقون ما عرفوه من الأمهات والجدود.
وأرجو أن تعلمي أن بر الوالدين من أهم ما يجلب التوفيق والنجاح في الحياة، فهو من الطاعات التي يعجل الله ثوابها، مع ما ينتظر أصحابها في الآخرة من رضا ورضوان، ونحن نشكرك على صبرك، ونتمنى أن تتقي الله، وتحرصي على مواصلة المشوار، وارفعي حاجتك إلى الواحد القهار، وأكثري من ذكره في الليل والنهار، واعلمي أن العاقبة للصابرين.
والله الموفق.