بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ توبة حفظها الله.
مرحبًا بك -ابنتنا وأختنا الفاضلة- في الموقع، ونسأل الله أن يكتب لك أجر ما حصل لك من ألم ومرض ومعاناة، كلُّ ذلك في موازين الحسنات، فاتقي الله واصبري، واعلمي أن الصبر عند الصدمة الأولى، وأن الإنسان يُؤجر على صبره، وما أُعطي الإنسان عطاءً أوسع من الصبر، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يُبارك لك في الأبناء، وأن يُلهمك السداد والرشاد، وأن يجعلنا جميعًا ممَن إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا.
ونحمد الله تبارك وتعالى الذي رزقك بهذا الزوج الراضي بقضاء الله وقدره، ولذلك أرجو ألَّا تعطي الأمور أكبر من حجمها، وثقي بأن هذا الكون ملْكٌ لله، ولن يحدث في كون الله إلَّا ما أراده الله، وأن الذي يُقدّره الله هو الخير، {وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم}.
فما حصل لك من المعاناة، وتكرار الإجهاض، وتكرار الحمل خارج الرحم؛ كلُّ ذلك مزيد من الحسنات، وثواب عند الله تبارك وتعالى، ونسأل الله أن يُبارك لك في الأبناء، وأن يُصلح لنا ولكم النيّة والذريّة.
الإنسان غير مسؤول عن الحزن على ما مضى، وغير مسؤول عن التفكير في الشيء الذي لا يحصل، لأن البكاء على الماضي مثل البكاء على لبن مسكوب؛ فإن البكاء لا يردُه، والنظر في المستقبل والتأمّل فيه وإعطاؤه أكبر من حجمه؛ كلُّ ذلك ممَّا يُتعب الإنسان، لأن هذا بأمر الله تبارك وتعالى، ولذلك نحن نفعل الأسباب، ثم نتوكّل على الكريم سبحانه وتعالى.
والحمد لله إذا كان الزوج لا يطرح هذه المواضيع، ولا يُناقشها، فلست بحاجة لهذا، واعلمي أن الأطباء أيضًا كلامهم قد يتغيّر، وأن الأمر قد يكون خلاف ما وصل إليه الطبيب، وخلاف ما حدّده الطبيب.
على كل حال: الذي يريد أن يُرزق بطفل ينبغي أن يحمد الله؛ لأن هناك مَن ليس عنده أطفال، والذي عنده طفلان ينبغي أن يحمد الله كثيرًا، والذي أعطاه الله العافية ينبغي أن يحمد الله، والكل ينبغي أن يحمد الله في السراء والضراء، والشريعة تدعونا إلى الرضا بقضاء الله، وأن ننظر إلى مَن هم دوننا في أمور الدنيا، كما علّمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن ننظر إلى مَن هم أقلَّ مِنَّا، (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) ، في المال، في الولد، في العافية، في كل أمور الدنيا، (وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عليكم).
نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممّن يرضى بقضاء الله وقدره، لأن هذا هو باب السعادة الأعظم، فالسعادة هي نبع النفوس المؤمنة بالله، الراضية بقضاء الله وقدره، والمواظبة على ذكره وشكره وحسن عبادته.
ونحيي اهتمامك بالأطفال، لكن ينبغي أن يكون في الاهتمام بهم اعتدال؛ لأن الحافظ هو الله تبارك وتعالى، والخوف الزائد عليهم يُخرجُ أطفالاً ضعافًا لا يستطيعون مواجهة صعوبات الحياة، ونحمد الله تبارك وتعالى دائمًا الذي أعطانا دائمًا، و(عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ).
وصدق الشاعر:
إِذا كانَ شُكري نِعمَةَ اللَهِ نِعمَةً ... عَلَيَّ لَهُ في مِثلِها يَجِبُ الشُكرُ
فَكَيفَ بلوغُ الشُكرِ إِلّا بِفَضلِهِ ... وَإِن طالَتِ الأَيّامُ وَاِتَّصَلَ العُمرُ
إِذا مُسَّ بِالسَرّاءِ عَمَّ سُرورُها ... وَإِن مُسَّ بِالضَرّاءِ أَعقَبَها الأَجرُ
وَما مِنهُما إِلا لَهُ فيهِ نِعمَةٌ ... تَضيقُ بِها الأَوهامُ وَالبرُّ وَالبَحرُ
فنحمد الله تبارك وتعالى على ما أعطانا، ونشكره على ما أولانا؛ لأننا بشكرنا لربّنا ننال المزيد، إذ قال ربنا فقال: {وإذ تأذّن ربكم لأن شكرتم لأزيدنكم}.
اجتهدي في التعرف على نعم الله عليك، ثم القيام بشكرها، فإذا شكرتم هذه النعم نلتم من الله المزيد، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد والعافية، وأن يُقدّر لكم الخير ثم يُرضيكم به.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)