الابنة الفاضلة/ أم أحمد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
أسأل الله العظيم أن يقدر لك الخير حيث كان، وأن يرضيك به، وأن يرزقك الزوج الصالح، وأن يبلغك المنى والمناجح، وأن يجعل التوفيق والسداد حليفاً لنا جميعاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الصواب أن تتوقف هذه العلاقة حتى تصبح شرعية ورسمية وتخرج إلى أرض الواقع، وشكراً لك على الحرص على صلاة الاستخارة، وهي طلب الدلالة على الخير ممن يعلم الغيب سبحانه.
والإسلام دينٌ عظيم يصون الأعراض، ويسد منافذ الشر، فلا يعترف بالعلاقة بين المرأة والرجل الأجنبي؛ لأن الشيطان هو الواسطة، إلا وفق الضوابط الشرعية وعند الرغبة الحقيقية في الرباط الشرعي، فإذا تمت الموافقة الأولية فلا يجوز للخاطب أن يخلو بالفتاة أو يتكلم معها إلا في حضور أحد محارمها؛ لأن الخطبة ما هي إلا وعد بالزواج فقط، وفي ذلك صيانة للفتاة بالدرجة الأولى، فبعض الشباب والعياذ بالله ذئب "وطبع الحَمَل أن يخشى الذئاب" لا هم له إلا أن يقضي الوقت ويتسلى، وقد يتعرف على الفتاة إلى غيرها، والمشاعر غالباً ما تكون مغلفة بالمجاملات، فإذا شعر الفتى بأن الفتاة متدينة ركب موجة الدين وصور نفسه كأحد العباد الصالحين، وإذا وجدها فتاة متمردة على القيم ركب موجة التمرد والتحلل، وهذا ما تفعله كذلك بعض الفتيات (والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)، فإذا كان هذا الشاب الذي تعرفت عليه ورعاً يخاف الله فليس في الدنيا أفضل منه، ولكن لكل دعوى برهان ودليل، فأرجو أن تبحثي عن أشياء تدل على صدق تلك الدعاوى، وإذا تيقنت من صلاحه وتقواه فلا مانع من التوجه إلى الله بل والإلحاح في السؤال من أجل أن يجعله الله من نصيبك.
ولكني أنصحك أن تعمري قلبك بحب الله وطاعته واتباع رسوله، وأن يكون حب الناس بعد ذلك تبعاً لمنهج الله، وأرجو عدم التوسع في مشاعر الحب إلا بعد الرباط الشرعي، فقد لا يتيسر الزواج وعندها سوف يتضرر هذا القلب الذي انشغل بأمرٍ لا يمكن من إدراكه، فأرجو أن تكون لغة العقل هي الغالبة في هذه المرحلة، واعلمي أن الحب الحقيقي يبدأ بعد الرباط الشرعي، وذلك هو الحب الذي يصمد أمام أزمات الحياة، وتزيده الأيام قوة وثباتاً، بخلاف الحب الذي يسبق الرباط الشرعي فهو معصية، ولكل مخالفة لأمر الله ورسوله شؤمها، (( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )) [النور:63].
ومن الثمار المرة لذلك: التوسع في المشاعر، الفتور في الحب بعد الزواج، والشكوك التي تملأ النفوس، فإن الشيطان يقول للرجل: لقد اعتادت الحديث للرجال فما المانع أن تكون لها علاقات بآخرين؟ ويأتي للمرأة فيقول لها: هذا الرجل الذي كلمك وأنت أجنبية ربما كانت له علاقات بنساء أخريات، وهنا تثور العواطف وتبدأ المشاكل .
ورغم أن المراسلات بينكما كانت نظيفة إلا أن استمرارها فيه خطورة، وهكذا تبدأ دائماً العلاقات حتى تصل إلى أمور لا تحمد عقباها، وهذا شأن الشيطان الذي يأخذ الإنسان إلى المعاصي خطوة خطوة، ولذلك كان التعبير القرآني العظيم (( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ))[البقرة:168]، ونهانا الله عن الانخداع بتزيين الشيطان الذي يجمل المعاصي وهي قبيحة؛ حتى يوقع الإنسان فيها ثم يتبرأ من الإنسان (( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)) [الأنفال:48].
وهذه المعرفة غير كافية، بل لابد من معرفة مباشرة، وحبذا لو حصلت الرؤية الشرعية، ثم بعد ذلك لابد من التعرف على أحوال هذا الرجل، والاطلاع على أخبار أسرته وعلاقته بوالديه، ومصادر رزقه وجديته في حياته، وسوف يعينك على هذا إخوانك وأرحامك، وهم أحرص الناس على مصلحة الفتاة، وهنا تتجلى عظمة هذه الشريعة التي تريد لدور الولي أن يظهر في مسالة الزواج، فالرجال أعرف بالرجال، ومن حق ذلك الرجل أيضاً أن يتثبت ويطمئن أيضاً، وأنت يا ابنتي تتفقي معنا أن مجرد ادعاء الصلاح غير كاف:
والدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات أهلها أدعياء
والإنسان أحياناً يرتاح لكلام الإنسان وتعجبه ظرافته، ولكن عند رؤيته تتغير تلك المشاعر: وما سمي القلب قلباً إلا من تقلبه.
وقد تتعمق المشاعر أكثر وأكثر، ولأن الزواج رحلة طويلة وشاقة، وتتخللها الجراح والأفراح، وقد تمتد في الصلاح لتشمل الدنيا والآخرة، كان لابد من معرفة حقيقية، ويظهر أنكما غير مقتنعين بإعلان طريقة التعارف لأنكما تشعران أنها غير كافية، فإذا استقر رأي هذا الرجل على الزواج منك فعليه أن يأتي البيوت من أبوابها، ومهما كانت الرحلة شاقة فهي دليل على صدق الرغبة وحسن النية، وهذا مهر يضاف إلى مهر الزوجية، والإسلام أراد للمرأة أن تكون مطلوبة لا طالبة؛ ليحفظ لها كرامتها، وليدلل الرجل بتعبه ونفقته على صدق الرغبة وصحة العزم على المسئولية.
أسأل الله لك التوفيق والسداد.