عنوان الاستشارة: كيفية التصرف مع الوالد المبتلى بالكذب والوساوس واستجداء الناس بدعوى الفقر

2005-09-06 11:56:33


بسم الله الرحمن الرحيم.

الابنة الفاضلة/ مريم حفظها الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


نسأل الله العظيم أن يغفر الذنوب، وأن يستر العيوب، وأن يجعلنا ممن يراقب علام الغيوب، وأن يلهمنا رشدنا ويعيذنا من شرور أنفسنا.


ابنتي! إن وجود عيب في أحد الوالدين لا يُبيح لنا معاملته بقسوة أو التقصير في حقه؛ فإن الله أمرنا بصحبتهم بالمعروف، والإحسان إليهم، والصبر على أذاهم، والتلطف في نُصحهم وتوجيههم، ولنا في خليل الرحمن أُسوة حسنة، وقد نقل القرآن أدبه ولطفه في النصح لأبيه، فقال تعالى عنه: (( يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ))[مريم:43-45].


وأرجو أن تجتهدي في البحث عن السبب لتلك الوساوس والظنون، فإن بعض الأبناء يخفون على والديهم بعض الأشياء فتنعدم الثقة، ويُصبح الوالد يشك في كل التصرفات، ويظن أن أهل البيت يتآمرون عليه، وقد يؤيد هذا الشعور وقوف الأم مع أبنائها وبناتها عندما يحدث خلاف، وهذا بلا شك يؤثر في الوالد، ويدفعه إلى اللجوء إلى أساليب يغيظ بها الأبناء، ويدفعهم إلى الاهتمام به وإشراكه في كل صغيرة وكبيرة وإجبارهم على الاهتمام به.


ولا شك أن وجود المال في يديه سوف يُعينه على التخلص من مسألة الشكوى للناس، ويمكن إعطاؤه أموالاً حتى يقوم بشراء الأشياء الأساسية للمنزل، وعند ذلك سوف يشعر بمكانته.


ولا شك أن الكذب هو آفة الآفات، ولا يمكن للناس أن يثقوا في الكذاب، ولكن عدم اهتمامك بكلامه هو الذي يدفعه لأن يظن بكم الظنون، فالصواب أن نهتم بكلامه، ونقترب منه لنعرف الدوافع الحقيقية وراء ميله إلى الكذب، وإذا اقتربنا منه استطعنا أن ننصحه برفق، ونبين له عاقبة الكذب ونذكره بالله.


ولا أظن أن والداً يحقد على عياله، ولكن هذا الشعور دليلٌ على أنكم تركتم الوالد في عزلة، وهذا بلا شك يغضبه؛ لأن كبار السن اعتادوا على تحمّل المسئوليات، وعاشوا حياةً فيها شيء من الصعوبة، ويريدوا أن يتدخلوا في كل صغيرة وكبيرة، فعلينا أن نُحسن الاستماع، ونعمل بالصواب ونترك ما عداه، ولذا قال تعالى: ((إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ))[الإسراء:23]، وهي كلمة تدل على الضجر، وغالباً ما تُقال عند تدخل الوالد في الصغيرة والكبيرة أو إقراره على رأي معين قد لا يصلح في زماننا، ولكن من واجبنا أن نتقبل ذلك ونطيب خاطره ولا نسفه رأيه فنقول: أنت لا تعرف أو أنت مخرف، فهذا كله لا يليق وهو من العقوق، وكان بعض أئمة السلف يجلس مع طلابه فتأتي أمه وتقول: قم وأعط الدجاج عشاءه، فكان يترك الدرس والطلاب ويذهب ليعطي الدجاج عشاءه في تواضع وأدب، مع أن هذا الموضوع يمكن أن يقوم به الصغير والخادم أو حتى بعض الطلاب نيابةً عن الشيخ.


وأرجو أن تغيروا طريقة التعامل معه، ولا تهتموا لما يحدث؛ فكثير من كبار السن يفعلون أشياء قد تسبب الحرج لأولادهم لاختلاف الزمان والأحوال، وأرجو أن ننظر في دوافعهم الحقيقية وحبهم الذي قد لا يُحسنون التعبير عنه، ولا تبخلي عليه بما تستطيعين من المال، خاصةً إذا كان محتاجاً، وسوف يبارك الله لك لبرِّك لوالدك.


والله الموفق.


(المصدر: الشبكة الإسلامية)
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت