عنوان الاستشارة: هل كان الصحابة متحزبين؟

2012-09-15 11:23:57


بعد قراءتي للعديد من الأحداث التاريخية، تولدت لدي بعض الأسئلة وأتمنى الرد عليها، جزاكم الله خيراً.



هل كان هناك تحزبية بين الصحابة، وخلاف؟ بمعنى هل كان عثمان وعمر وابن العاص رضي الله عنهم مختفلين مع علي رضي الله عنه؟ لأني لاحظت في موقفين قد توحي بذلك، الموقف الأول هو إصرار علي بن أبي طالب بعد مقتل عمر بن الخطاب أن يقتص من ابن عمر عبيد الله لقتله الهريمزان وابنة أبي لؤلؤة المجوسي، وكان ابن العاص وعثمان ضد القصاص، وبقية القصة معروفة، حيث عفا عثمان عن عبيد الله، ولكن عندما تولى علي بن أبي طالب أصر على القصاص منه .



القصة الثانية بعد مقتل عثمان بن عفان لم يقتص علي من قتلته، وظل يؤجل ذلك وابن العاص ومن معه كانوا على النقيض، فلماذا كان هذا الاختلاف الدائم بين علي وابن العاص وعثمان رضي الله عنهم جميعاً؟



أخيراً أتمنى أن تدلوني على موقع موثوق على مذهب السنة والجماعة في الانترنت، مختص في استقبال الأسئلة والرد على الشبهات، فلدي تساؤلات وللأسف لم ألق لها مجيب، رغم أني أعيش في بلد إسلامي، ولكن لا نجد من يرد على هذه الشبهات التي يتعرض لها الشباب، سواء من الشيعة أو من الديانات الأخرى.





أهلا بك أخي الكريم في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك فيك وأن يحفظك وأن يبارك في عمرك على طاعته .



الأخ الفاضل : نحب أن نجيبك من خلال عناصر محددة.

أولا: ينبغي أن نعلم يقينا أن أطهر جيل عرفته البشرية: جيل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد زكاهم الله تعالى وزكاهم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبر أن أحدنا لو أنفق مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مدهم ولا نصف مدهم.



الواجب في الأمر كذلك أن نترضى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأن لا نقف عند شبهات تاريخية وألا نخوض فيما لا نعلم، وذلك لأن التاريخ الذي يمثل ذاكرة الأمم، بما يحويه من وقائع وأحداث، هي في مجملها صادرة عن أفراد بدوافع متغايرة، هذا هو التاريخ.



أما معرفة الأسباب التي أدت إلى النتائج فهو تفسير التاريخ، وهذا الذي يختلف بدوره من مؤرخ إلى آخر، والحديث عن مثل هذا الأمر حديث عن ظن غالب - عند حسن الظن- أو هوى دافع عند الأخرى، فكتّاب تفسير التاريخ يخطونه بناءً على المنهج الفكري الذي ارتضوه، أو المنهج العقدي الذي التزموه، متبعين في ذلك مرويات، لم يجر قلم التحقيق على أكثرها مثل ما جرى على الأحاديث لمعرفة صحيحها من ضعيفها.



يقول الإمام الذهبي:"ما زال يمرّ بنا ذلك في الدّواوين، والكتب، والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع، وضعيف، وبعضه كذب"



بدأت لك بهذه المقدمة حتى لا نسلم بكل ما يرد إلينا في تفسير التاريخ .



ثانياً: إن الـمشهور في كتب التاريخ أنه بعدما قتل أبو لؤلؤة الـمجوسي عمر بن الخطاب قتل نفسه لـما ألقوا العباءة عليه، فلـما أصبح الناس قام عبيد الله بن عمر فقتل رجلا يقال له الهرمزان، وكان مجوسيا فأسلم فلـما قيل له، قال: كان مع أبي لؤلؤة الـمجوسي قبل مقتل عمر بثلاثة أيام وبينهما الخنجر الذي قتل به عمر، فظن أن الهرمزان مشارك لأبي لؤلؤة في هذه الجريمة فذهب إليه وقتله.

عن سعيد بن الـمسيب قال: « إن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال حين قتل عمر: قد مررت على أبي لؤلؤة قاتل عمر ومعه جفينة والهرمزان وهم نجي (أي يتناجون) فلـما بغتهم ثاروا (أي قاموا) فسقط من بينهم خنجر له رأسان ونصابه وسطه، فانظروا ما الخنجر الذي قتل به عمر، فوجدوه الخنجر الذي نعت عبد الرحمن بن أبي بكر، فانطلق عبيد الله بن عمر فلـما خرج إليه (أي الهرمزان) قال: انطلق معي حتى ننظر إلى فرس لي، وتأخر عنه حتى إذا مضى بين يديه علاه بالسيف، قال عبيد الله: فلـما وجد حر السيف قال: لا إله إلا الله، قال عبيد الله: ودعوت جفينة وكان نصرانيا من نصارى الحيرة، فلـما علوته بالسيف صلب بين عينيه، ... وأراد عبيد الله ألا يدع سبيا بالـمدينة إلا قتله.



منشأ الخلاف بين الصحابة في قتله راجع إلى السياسية الشرعية، وكل منهم قال باجتهاده دون أن يكون لما قالوا هوى دافع أو خلاف، كما يحاول أن يروج البعض بآثار أكثرها كذب، وبعضهما صحيح لكنهم فهموه على غير المراد .



ثالثا: كان علي بن أبي طالب يريد القصاص من قتلة عثمان شأن كل صحابي غيور على دينه، ولكن كانت المصلحة التي يراها تقتضى التريث قليلاً، فلا يخفاك أن الصحابة قد انقسموا بصدد القصاص من قتلة عثمان إلى طوائف ثلاث:



1. طائفة معتزلي الفتنة: وهم أغلب الصحابة رضي الله عنهم.



2. طائفة المطالبين بدم عثمان رضي الله عنه: وقد رأت هذه الطائفة أن أول واجب على الأمة هو الثأر لخليفتها الشهيد، والقصاص من القتلة الآثمين، ومن الصحابة الذين مثلوا هذه الطائفة: طلحة، والزبير، وعائشة، ومعاوية رضي الله عنهم.



3. طائفة المتريثين في تنفيذ القصاص: وعلى رأس هذه الطائفة: علي، وعمار، والقعقاع رضي الله عنهم؛ وذلك أنه لا يستطيع أن يقتل قتلة عثمان؛ لأنهم غير معروفين بأعيانهم، فربما يقتل من لا ذنب له، وقد كان هناك رؤوس للفتنة، لكن كانت لها قبائل تدافع عنهم، ولم تكن المدينة آمنة بل اختلط فيها الصحيح بالسقيم، فأراد علي رضي الله عنه أن يتريث قليلا حتى يستتب الأمر ويستوثق الأمن، وتجتمع الكلمة، وتقع الدعوة، ويكون الجواب، وتقوم البينة، ويجري القضاء في مجلس الحكم بالحق، ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى تنفيذه إلى إثارة الفتنة، وتشتيت الكلمة"



في الختام نحن أن نقول لك: إن كنت تقصد بالتحزب: العصبة من الناس الذين يجتمعون على أمر ليخالفوا غيرهم وينتصروا لرئيهم وافق الحق أم خالف، فنبشرك بأن هذا لم يكن قطعاً بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كنت تعني بالتحزب : الاختلاف المبنى على العلم لا على الهوى وانتصار كل فريق لما يؤمن أنه الحق فقد كان هذا موجوداً في إطار وحدة وتكامل بين المسلمين.



الاختلاف أحد الطبيعة البشرية الموجودة، والتي لا يمكن تغافلها، لكن ثمة فارق هائل بين من يختلف على أساس الهوى ومن يختلف على أسس علمية وشرعية، يريد بذلك إعلاء كلمة الله ورسوله .



ننصحك أخي الحبيب أن تقرأ التاريخ من مصادره الموثقة المأمونة، وأن لا تتوقف كثيراً عند الاختلافات القائمة، واجعل نصب عينيك :( تلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .



نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يرضى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأن يحشرنا معهم في الجنة.



ويمكنك التواصل معنا في أي أمر تحتاج فيه إلى استشارة. فنحن إخوانك.



ويوجد في موقعنا الكثير مما تسأل عنه فتابعنا في مواقع إسلام ويب.

(الفتوى ، والاستشارات ، والمقالات، والصوتيات ... الخ).



والله الموفق.


(المصدر: الشبكة الإسلامية)
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت