فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت, وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يبارك فيك، وأن يثبتك على الحق، وأن يُكثر من أمثالك، وأن يعينك على أداء رسالتك, وإتمام وظيفتك على الوجه الذي يُرضيه، وأن يجزيك خير الجزاء، وأن يعوضك خيرًا في الدنيا والآخرة، وأن يربط على قلبك، وأن يرزقك الصبر، وأن يُعظم لك الأجر، وأن يؤلف على الخير قلوبكم، وأن يصلح ذات بينكم، إنه جواد كريم.
وبخصوص ما ورد برسالتك - أختي الكريمة الفاضلة - فإنه بعد هذه الفترة الطويلة من الزمن، بعد ثمانٍ وعشرين سنة، يأتي اليوم لنفكر في المشاكل التي تراكمت على الأسرة عبر تاريخها الطويل, ونبحث عن حل في هذا الوقت المتأخر, الذي يُعتبر اتخاذ القرار فيه في غاية الصعوبة، فلا أنت تستطيعين الآن أن تتخذي القرار الموفّق, الذي يخلو من السلبيات والتبعات، ولا أنت أيضًا تشعرين بأنك منسجمة, أو متأقلمة مع هذا الواقع إلا بضريبة فادحة, وتضحية كبيرة.
لو أننا فكرنا في الطلاق الآن فقولي لي بربك: ما هو مصير هذه الأسرة عندما يحدث الفراق بينك وبين زوجك؟ .. نعم أنا أعلم أنك سوف تحققين نوعًا من الراحة النفسية، ولكن أظن أن هذا نوع من الوهم، لأنك أولاً تعودت هذه الحياة خلال هذه السنوات الطوال، وألِفت هذه السلبية التي تعانين منها من زوجك، وتعودت أيضًا على هذا البُخل, وهذا التقتير, وهذا الضعف الشديد في الشخصية, وفقدان الثقة، وأعتقد أنك -إن قدر الله لك- وفكرت في الطلاق فستشعرين بفراغ كبير؛ لأن الإنسان منا قد يكره المرض, ولكنه يشعر بأنه في حاجة إلى أن يتأقلم معه لأنه لا خيار أمامه.
فأنا أقول: نعتبر أن هذه الحالة التي أنتم بها حالة مرضية، وهو مرض لا يُرجى برؤه, أو شفاؤه، فماذا نفعل حيال هذا المرض؟ ليس أمامنا إلا أن نجتهد في تخفيف آثاره المترتبة عليه، مع الصبر عليه, وتسليم الأمر فيه لله تعالى.
فأرى أن فكرة التخلي الآن, أو طلب الطلاق ليست موفقة بالمرة، وإنما الأعظم والأولى إنما هو مواصلة الصبر والاحتمال, واحتساب الأجر العظيم عند الله تعالى، خاصة أنك أصبحت في سن متقدمة، فأنت لست بالصغيرة التي نقول أمامها فرصة طويلة لكي تستعيد شبابها, ولكي تحاول أن تعوّض ما فاتها، وإنما أنت على مقربة من سن زوجك، وهذه السن تحتاج لنوع من الاستقرار، ومسألة التغيير في هذا الوقت مسألة في غاية الخطورة؛ لأننا إذا كنا ونحن أسرة مترابطة الآن نعاني من هذا الفراغ, ومن هذا الضعف، فما ظنك لو أن الأسرة قد انفصلت عُراها, وتمزقت أشلاؤها, وتفرّق أهلها،فستكون المعاناة أشد وأشد قطعا.
نعم ستقولين: سوف أستريح من هذا الرجل الذي يُشكل عبئًا عظيمًا على حياتي، ولكن أقول لك - صدقيني - لن تكون هناك راحة، وإنما ستظلين مشغولة به، حتى وإن حدث بينك وبينه الفراق أو الطلاق - لا قدر الله - ستشعرين أيضًا بحنين إليه, وانتماء إلى هذه المنظومة التي عشتها رغم مرارتها, ورغم صعوبتها, ورغم شدتها, وكثرة آلامها.
أقول: أتمنى أن تصبري الصبر الجميل، وأن تتوجهي إلى الله بالدعاء، أن يصلح ما يمكن إصلاحه من هذه السلبيات القاتلة والمزعجة، أمَّا فكرة الطلاق أو الفراق فأرى أنها فكرة غير موفّقة بالمرة, وغير واقعية، لأن أبناءك الآن -وإن كانوا معك قلبًا وقالبًا, ويكرهون والدهم نظرًا لتصرفاته- إلا أنهم في جميع الأحوال أيضًا يحتاجون إلى وجوده بينهم، حتى وإن كان ضعيف الشخصية، حتى وإن كان هادئًا هدوءً قاتلاً، حتى وإن كان لا يتحمل مسؤولية، وأنت التي تتحملين مسئولية الكبير والصغير، وأي مشكلة داخلية أو خارجية فهذه كلها على عاتقك.
أقول: سلي الله أن يعينك، وسلي الله أن يثبتك، وسلي الله أن يمنحك القوة، وأن يمنحك القدرة على بذل مزيد من التضحيات لإسعاد هذه الأسرة، وأن يعوضك خيرًا في الدنيا والآخرة.
سليه أن يربط على قلبك، سليه أن يصلح ما بينك وبين زوجك، سليه أن يصلح لك أبناءك، وأن يجعلهم من سعداء الدنيا والآخرة، سليه أن يجمعك بزوجك في الجنة إن كان من عباد الله الصالحين، خاصة وكما ذكرتِ أنت من أنه يتمتع بطيبة وأدب واحترام، وهذه صفات طيبة في العموم، وإن كانت هناك سلبيات في البخل, أو فقدان الثقة في النفس، فأرى أن هذه موروثات أخذها عن أسرته التي نشأ فيها, وترعرع في أحضانها، وليس أمامنا حقيقة من خيار إلا الصبر الجميل.
فأتمنى أن تجتهدي في الدعاء أن يعوضك الله خيرًا، وأن يمنحك مزيدًا من القدرة، ومزيدًا من الصبر, والحلم, والأناة, وسعة الصدر، حتى تواصلي مسيرة البناء, ومسيرة الإعمار, ومسيرة التأسيس, ومسيرة إسعاد الآخرين, والإحسان إليهم وإكرامهم.
سلي الله أن يعينك على ذلك كله، وأن يعافيك من كل علة وآفة، وسليه تبارك وتعالى أن يصلح لك زوجك، وأن يصلح لك أبناءك، فهذا خيرٌ ألف مرة ومرة من أن تطلبي الطلاق, أو الفراق, أو تعرضي عليه أن يتزوج امرأة أخرى.
أسأل الله لك التوفيق والسداد، والتأييد والثبات، إنه جواد كريم, هذا وبالله التوفيق.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)