السلام عليكم ورحمة الله وبعد:
أثابكم الله عن المسلمين والبشرية جزاء عظيماً، وغفر الله لكم، فما تقدمونه من خير أمر عظيم عند الله عز وجل. إخواني في الله! يعلم الله ما عانيته من هم وغم وأحسست أني تحملت ما لا تتحمله الجبال الرواسي، واسمحوا لي على الإطالة لأن ألمي أكبر وأكبر، وصدوركم واسعة بإذن الله، ولم أعلم بأن ما أعانيه هو مرض يمكن أن يصيب غيري من البشر، وأنه طبيعي ويمكن علاجه أو الحد من المعاناة التي يسببها إلا من خمس سنوات مضت عن طريق مواقع الشبكة المختلفة.
أما بداية المرض فتعود إلى أربعة عشر سنة، ولا تستغربوا فالمجتمع الذي أعيش فيه وخاصة في الفترة الماضية محدود الثقافة بالمرض النفسي، ودائماً ما يربط بالجنون، فكيف يكون في مثل حالتي؟ وأعتقد أن هذه النظرة في العديد من المجتمعات بالإضافة إلى أن ما أعانيه شيء عظيم تكاد تتصدع الجبال وتنهد منه، ولم يخطر يوماً في بالي بأني سأتكلم عن ما أجد حتى بعث الله لنا نعمة الإنترنت ووجدت ضالتي في التعرف على أن ما أعانيه لا يتعدى كونه مرضاً تداخلت فيه العديد من العوامل النفسية كالاستعداد للقلق والتوتر والعوامل البيولوجية المتمثلة في الاختلال الكيميائي للناقلات العصبية والعوامل البيئية الأخرى والتي تمثلت في حالتي طلاق الأم وأنا ما زلت طفلاً ثم وفاة والدي وخروجي للعب والمشي مع شباب أكبر مني سناً، ولم يكن هناك أحاديث غير الجنس والجنس المثلي وما شابه ذلك.
وإنني حتى هذه اللحظة التي أكتب لكم فيها أجد نفسي أني متردد وأكاد لا أصدق نفسي أني سأتكلم أخيراً، فما عانيته هو الوسواس القهري في صورة أفكار اجترارية وليست أفعالاً، وطبيعة الفكرة هو والعياذ بالله شتم الذات الإلهية بأقبح وأبشع ما يمكن تخيله، بدت الفكرة بصورة واحدة عندما كنت في سن السابعة عشرة ومرت علي بشكل عابر مع تأثير بسيط ومحاولة دفعها بآيات القرآن الكريم، ولم تعاودني الفكرة لمدة سنتين إلا أنني أتجنب في تلك الفترة ما قد يثيرها من قراءات دينية أو غيرها، ففي عقلي دائماً ما يدفعني للابتعاد عنها حتى عاودتني كالسيل المنهمر بعد سنتين عندما كنت أمر بوعكة صحية (خفقان وسرعة في دقات القلب)، وقال الأطباء: إن كل شيء سليم بعد إجراء الفحوصات، وصاحبها بعض التفكير السلبي في ظروفي وأوضاعي المادية، وهذا كان مع بداية دخولي الجامعة، وكلما حاولت دفع هذه الأفكار يزيد انهمارها فضاقت علي الدنيا بما رحبت، وكاد التوتر والقلق يقتلني ولم أشعر بطعم الحياة، فكلما حاولت أن أدفعها بقراءة الكتب تزيد هذه الأفكار وتزيد معها حالات الخوف والذعر وأحس بتنمل وقشعريرة ورعشة في كل جسمي، ويكاد رأسي ينفجر من شدة الخوف وقوة التوتر والصداع، وأصبحت أعيش في جحيم حتى أصبحت هذه الأفكار مسيطرة على كل شيء في حياتي.
وبمرور الأيام تخف حدة هذه الأفكار وتتحسن أعراض الخوف والقلق وتظهر فجأة بصور وتخيلات أقوى، كلها حول فكرة واحدة شتم الذات الإلهية حتى أنه أحياناً أربط كل شيء أشاهده بالفكرة، وأعيش في صراع دائم مع الرد والتحليل لهذه الأفكار (الجنسية) وأردها بصفات الله الحسنى وغيرها، واستطعت بالفطرة أقوي أحياناً إرادتي في مواجهتها ولله الحمد، فالتوتر والخوف بدأ يقل والأفكار تزيد فترة وتخف فترة وهكذا عشت طوال فترة دراستي الجامعية، ومع ذلك فقد وفقني الله وأكملت دراستي بنجاح، وعلى العكس من ذلك كنت أعيش طبيعياً مع زملائي وأهلي، وكنت أحاول أن أكون مرحا بينهم، وفي داخلي ذلك الصراع وأحياناً عندما تعاودني الأفكار بقوة أجهش بالبكاء عندما أكون وحدي وتمنيت ودعوت ربي كثيراً بأن يرزقني الموت، وليس تفكيرا في الانتحار والعياذ بالله، كما حاولت أن أزيد من التزامي الديني فأنا ملتزم بأداء الفروض والابتعاد عن معظم الكبائر إلا من بعض شطحات الشباب، وأسأل الله السلامة في ذلك، وعندما حاولت الالتزام أكثر لم أجد الحل في ذلك بل على العكس تماماً زادت حدة هذه الأفكار، وتعددت صورها ونتج عن ذلك إصابتي بأمراض الجهاز الهضمي (غازات وعسر هضم مستمر وصعوبة في النوم مع عدم وجود ألم معين، إنما إحساس بالانتفاخ والتعب وصعوبة النوم) ومضت حالتي على هذا المنوال، ووفقني الله في الحصول على عمل وعرفت بعد ذلك الإنترنت، وبالبحث عن الأمراض النفسية عرفت أن هذا مرض، وقرأت عن الحالات المشابهة وتابعت تفاصيله الدقيقة ووجدت في ذلك راحة عظيمة، ومن ثم تعرفت على بعض طرق العلاج السلوكي، ومن أهم ما اتبعتها عدم مواجهة الفكرة والرد عليها ومحاولة عدم التأثر والاستجابة عند مواجهة الفكرة، واستحضار أن المرض هو الفكرة وليست فكرتي أنا، ومع تطبيق هذا بدأت فترات المرض تتباعد أكثر وبدأ التأثير من قلق وتوتر يخف إلا أنه بين الفترة والأخرى، ولو أنها متباعدة تنتكس الحالة من قوة الفكرة وعدم القدرة على وقفها أو الخوف أصلاً منها، وفوق كل ذلك توكلت على الله وتزوجت وأنجبت ولدين ولله الحمد، الأول أربع سنوات والثاني سنتان.
الآن الأفكار تعاودني بين الفترة والأخرى، ولكن التأثير ليس قوياً لكنه مزعج ودائم، ماذا أعمل لوقف هذه الأفكار؟ خاصة وأن بعض الأحداث كمآسي الزلازل وغيرها من الكوارث والحكمة من قتل مئات الآلاف من البشر تزيد من ورود الأفكار وأنا مطمئن بإيماني من حكمة الله التي قد تكون مخفية عنا وأن كل إنسان طال الدهر أم قصر سيموت، وأن من يموت في مثل هذه الكوارث شهيد عند الله، ولكنها الأفكار العنيدة قبحها الله .
أما المشكلة الأخرى فهي: الخوف الاجتماعي حيث اكتشفت ذلك من خلال بعض اجتماعات العمل، عندما أتحدث أحس بقلبي يتفجر من قوة الدق وبتنمل وتعرق والفترة محدودة ثم يغيب، بالله عليكم أليست هذه هي معنى المعاناة بعينها، ومع ذلك أيضاً ونظرا لقلة مثل هذه الاجتماعات مرت حياتي بنجاح ولله الحمد، فتم ترقيتي في وظيفة أكبر، وهنا المشكلة ففي هذه الوظيفة تكثر الاجتماعات ومقابلة المسئولين وإلقاء الكلمات أو المحاضرات، وعشت في جحيم آخر، وأنا أتجنب ما أستطيع تجنبه، وهذا المرض هو الذي استطعت التحدث به عند زوجتي وصديق مقرب، وبسبب استبعاد المرض النفسي من حسابات المجتمع تم توجيهي للمعالجة بالأعشاب المقروء فيها عند أحد المشايخ، وبالفعل تحسنت الحالة مع الوقت وكذلك من خلال العلاج السلوكي، وهو أنني أقوي الإرادة وأتحمل ما أعانيه في بداية الحديث، وأثبتت التجارب جدوى هذا الأمر إلا أنه بقي أمر هام جداً، وهو رجفة شديد وواضحة في الأرجل وخاصة اليمين يصعب إخفاؤها مما تسبب لي عقبة كبيرة، فما أحسه داخلي أستطيع أن أتحمله، ولكن بقت هذه النقطة التي يلاحظها الجميع حتى عندما تقدمت لإمامة الصلاة ذات مرة كانت الرجفة واضحة فهو أمر لا ينفع معه مواجهة ولا تعرض ولا غيره.
لا أخفي عليكم بأني قررت في نفسي أخيراً عرض مشكلتي عند طبيب نفسي لكني أخاف كثيراً من الأعراض الجانبية التي قرأتها عن الأدوية، وخاصة ما يتعلق بزيادة العصبية والضعف الجنسي وقلة النوم والذي هو في حد ذاته مشكلة بالنسبة لي.
كما أني عرضت مشكلتي عندكم لثقتي الكبيرة من خلال متابعتي لردودكم الفاضلة على الأخوة وعدم تطور الطب النفسي أو لضعف الخبرات في هذا المجال عندنا وبالتالي وددت أن أعرف الاستشارة من عندكم قبل أن أتوجه للطبيب وأستطيع أن أناقشه، كما أتمنى لو كان هناك علاج دوائي واحد للمشكلتين ومدة تناوله وكميته وأعراضه الجانبية وكيفية معالجتها؟ وإذا ما كانت هناك طرق أخرى للعلاج السلوكي.
كما أود في النهاية أن أشير إلى أني وبالعلاج السلوكي والإرادة استطعت أن أخفف الكثير من أعراض المشكلتين فالوساوس حالياً مستمرة ولكن بشكل أقل وتأثيرها قليل ولا يدوم طويلاً ،حيث أستجمع قواي وأخففها، ولكنها مازالت مزعجة وملحة، وبالنسبة للرهاب أو الخوف الاجتماعي فإن حالتي مرتبطة فقط برجفة القدم الواضحة عند الوقوف لإلقاء محاضرة أو إمامة الصلاة، أما عند الجلوس فبالرغم من دقة القلب وغيرها من أعراض دائماً أفرض نفسي عليها وأواجهها كما أحب أن أوضح أني ولله الحمد لا أعاني من حالات اكتئاب أو انطوائية أو غيرها فأنا ناجح في عملي بشهادة المسئولين ومقرب من زملائي ولا يكاد أحد يشك في أني أعاني من شيء البتة.
أعلم كثيراً أني أثقلت كاهلكم وجعلتكم تملون، ولكن لا تعلموا السعادة التي أنا بها وأنا أكتب مشكلتي ولأول مرة منذ أربعة عشر عاماً وبالتفصيل حتى وإن لم أجد رداً وحاشاكم عن ذلك فهي خطوة هامة في حياتي، والسلام عليكم ورحمة الله.