أرشيف المقالات

بطون جائعة وأموال ضائعة

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 للأستاذ علي الطنطاوي ولد لي في هذا الأسبوع مولود جديد، فأهدى إلى أمه أكثر من عشرين علبة شكولاته، من هذه العلب التي جدت في دمشق، وصارت (مودة) الوقت، كل علبة منها لعبة كبيرة بأشكال وألوان، ما عرفناها قبل الآن، منها ما هو على صورة طيارة بأجنحتها وذنبها ومحركاتها ودوالييها، ومنها ما هو على شكل عربة بخيولها ولجمها وسائقها، كل ذلك مصور مشكل دقيق الصنعة؛ ومنها ما هو على هيئة سرير له فراش ووسادة من الحرير، وفي كل منها قبضة من السكر والشيكولاته، وهي ملفوفة بالورق الصقيل الشفاف، معقود عليها شريط من خالص القز، لا يقل ثمن إحداها عن عشرين ليرة سورية.

فلما ذهبنا نفتحها تقطع الشريط وتمزق الورق.

ثم تسلمها منها أولاد الدار، وأبناء الضيوف، لأنها لعب خلقت لهم لا للكبار، فلم تكن إلا أيام حتى تكسرت في أيديهم، وكيف لا تتكسر وهي مصنوعة من قطع الخشب الملون الملصق بعضه ببعض، لا تحتمل صدمة ولا نقرة؟ وعادت حطبا انتهى به الطريق إلى المدفأة، فاحترقت أربعمائة ليرة كان يمكن أن يشتري بها من (خبز البلدية) عشرون ألف رغيف، ومن الثياب النسائية المستعملة (التي توزعها وزارة التموين) أربعمائة ثوب، ويمكن أن يتزوج بها من الفقراء أربعة رجال.

هذا وأنا رجل معتزل الناس لا أديم مواصلتهم، ولا أؤدي حقوقهم، خارج على مواضعاتهم، ثائر على عاداتهم، لا أصنع إلا ما أجده نافعاً معقولاً، ولي من جرأة جناني، ومضاء لساني عاصم من لحومهم وتعنيفهم، وهذا هو المولود الثالث لا الأول، فكيف تكون الحال لو كنت من الأثرياء الذين يخالطون الناس، ويقومون بحقوقهم؟ وكيف لو كان المولود صبياً بكراً؟ ففكروا كم ننفق من الأموال في أشياء لا يأتي منها خير، وما في تركها ضرر، ونحن نشكو الفقر والمرض والجهل؟ أعرف رجلاً تزوج فأهدي إليه يوم زفافه، من أصدقائه وصديقاته وأقربائه وقريباته، مائة وست عشرة باقة زهر، ثم أدناها خمس ليرات، وقد يبلغ ثمن أعلاها العشرين، فحار أولاً أين يضعها، ومن أين يأتي لها بالكؤوس والأواني، ثم بدا له فجعلها حول سرير العروسين، فكان لها منظر رائع خلاب، ثم مرت الأيام ففسدت وجفت فاستأجر رجلا يحملها ليلقيها في إحدى.

المزابل! ألف ليرة تلقى على مزبلة، ونصف الأمة يتضور جوعاً!! وأعرف آخر من التجار أبى له سفهه وتبذيره وكفره بنعم الله إلا أن يوزع السكر على نحو خمسمائة مدعو لحضور عقد ولده في علب من الفضة في كل منها صحن من البلور، لا أدري من أين جاء بها فما في بلدنا منها، قالوا، إن ثمن الواحدة منها خمس عشرة ليرة، فهذه سبعة آلاف وخمسمائة ليرة، دون باقي المصروفات، في الفرش والزينة والثياب.
.
وإن من نساء هؤلاء التجار الفجار الأشرار من تشتري المعطف الواحد بألف ليرة، وإذا لم تصدقوا فاسألوا تجار الفرو! والتبذير في أتراح هؤلاء الأغنياء لا يقل عنه في أفراحهم، فلا تخرج جنازة أحدهم حتى يمشي معها رجال المولوية بقلانسهم التي تشبه علب اللبن، وثيابهم التي تحكي إذا داروا المخاريط الناقصة التي وصفوها لنا في درس الهندسة أيام المدرسة، ولا يمشون حتى يقبض شيخهم الرسم المقرر، خمسمائة ليرة.

وأمام الجنازة الآس والحناء، وبعدها حفلة (التنزيلة)، ثم (الصباحية) و (العصرية) وللنساء فيها كسوة خاصة تشترى من أجلها، فلا يصل الميت إلى القبر حتى ينفق عليه إن كان من الموسرين خمسة آلاف ليرة، ما أنفق قرش واحد منها في طاعة الله! وإن حول كل دار من هذه الدور التي تهدر فيها الأموال لمساكن فيها ناس مثلنا، من بني آدم، من إخواننا في الدين وفي الوطن، وفي اللسان، يشتهون عشر معشارها، أو أقل منه ليشتروا به طعاماً يملأ بطون أولادهم، وثيابا تستر أجسادهم، وإن لهؤلاء الناس (لو عرف الأغنياء!) عيوناً تنظر كعيوننا، وقلوبا تتألم كقلوبنا، ولهم بنون وبنات هم قطع أكبادهم، وهم على هلهلة ثيابهم ووساخة أبدانهم أحبة إليهم أعزة عليهم كعزة أولادنا علينا، وربما كانوا أزكى من أولادنا نفوسا وأطهر، وأذكى عقولاً وأمهر، وكانوا أرضى لله وأنفع للوطن منا، ولكن الفقر عطل قرائحهم، وكف أيديهم، وكبل أرجلهم.
إن هؤلاء وإن لم يكن في أعراسهم باقات الزهر، ولم يكن في جنائزهم مولوية ولا آس، ولم يعرفوا طريق المدارس والملاهي، ولم يزهوا بغالي الثياب، ولم يتمددوا على أرائك السيارات، ولم يعرفوا المشيخة التي يأكلون بها الدنيا بالدين، ولا الزعامة التي يجمعون بها المال بالوطنية، إنهم هم عماد هذا الوطن، وهم جمهرة أهله، وهم يزرعون القمح ويقدمونه إلينا ثم يعيشون على الذرة والشعير، وهم يبنون لنا القصور ثم يقيمون في الأكواخ مع البقر والحمير، وهم يصنعون بأيديهم الشيكولاته التي لا يذوقونها، ويحيكون الثياب التي لا يلبسونها، وهم يسهرون في الطرقات ليحرسونا ونحن نيام، وهم يمشون إلى الميادين ليدافعوا عن أوطانها ونحن آمنون، وهم قد دفعوا ثمن الاستقلال مهجهم وأرواحهم، ثم لم يأخذوا من خيراته شيئا.
إن هؤلاء هم ركن الوطن وعماده، وهم أهله وقطانه، فحرام علينا أن ننساهم ونهملهم! حرام أن تبقى هذه الأموال ضائعة، وهذه البطون جائعة! حرام في دين الله، وفي شرعة الإنسانية، وفي قانون الشرف، فأين المصلحون، فأين المصلحون؟ أين رجال الجمعيات؟ أين أرباب الأقلام؟ لقد كنت أصفح (أعداداً) عتيقة من مجلة الهلال، فوجدت في (عدد) منها أن في بلاد السويد جمعية اسمها (جمعية أمناء الأزهار) عملها جمع الأموال التي يشتري بها أهل الميت وأصدقاؤه باقات الزهور التي تحمل مع الجنازة ثم توضع على القبر، وإنفاقها في بناء مساكن صحية للعمال والفقراء، يسكنون فيها بأجر يسير، وأنها أنشأت (إلى تاريخ ذلك الخبر) نحوا من ألف مسكن. فلماذا لا يكون فينا رجال مثل رجال هذه الجمعية، يأخذون المال من هنا، فيضعونه هناك، فيصلحون به أخلاق الأمة بإنقاذها من داء التبذير والأثرة والمفاخرة بالباطل، ويدفعون عن أغنيائها حسد فقرائها وبغضاءهم، ويعودون عليها بالخير لها في أجسادها وعقولها وصناعاتها وحضاراتها إذ ينفقون هذا المال فيما هو أولى به من وجوه الإصلاح؟ لماذا نأخذ عن الأوربيين السم وندع الترياق؟ كم ينفق في الشام ومصر والعراق وسائر بلدان هذا الشرق الإسلامي في الزفاف وحفلاته، والمأتم وملحقاته.

والأعياد والمواسم وأيام الولادة والختان، فيما لا ينفع أحداً ألبته، ولا يعود عليه بعائدة، ولا تناله منه فائدة؟ حتام تهدر الأموال ويراق الذهب، اتباعا لعادات قبيحة وتقليدا كتقليد القردة، وجمهور هذا الشعب يشكو الفقر والمرض والجهل؟ هل تذهب بشاشة العيد ويمحى رواؤه، لو اصطلح الناس فيه على تقديم السكر الملبس الوطني بدلاً من الشيكولاته وصرفوا فوق الأثمان في بناء مدرسة أو مستشفى في كل بلد؟ هل يبطل أنس العرس، وتضيع بهجته إذا لم يكن إلا باقتان من الزهر؟ هل يكتب على العروسين الشقاء الدائم إذا وزعت الحلوى على المدعوين في قراطيس بدلاً من العلب؟ هل يحرم الميت التقى من نعيم الجنة، ويضاعف على الشقي العذاب إذا لم يمش في جنازته رجال الطريقة المولوية التي لا يقول بها عقل ولا نقل، ولا يقرها شرع ولا طبع؟ فإلى متى نضيع أموالاً نحن اليوم أحوج إليها من كل يوم مضى لأننا في عهد تجديد وبنيان، ولأننا في أول طريق الاستقلال؟ فيا أيها الأغنياء لا تغتروا فإن النعم لا تدوم، وإن بعد اليوم غدا، وإن بعد الحياة موتا، وإن بعد الموت لحساباً عسيرا، أمام رب الأرباب الذي خلقكم وخلق الفقراء من طينة واحدة، لم يخلقهم من التراب ويخلقكم من الأسمنت المسلح.

ولم يميزكم عنهم إلا بمال أعاركموه ليكون محنة لكم وليطول عليه حسابكم. ويا أيها المصلحون هذا باب من أوسع أبواب الإصلاح فلجوه بارك الله فيكم إن فعلتم، وأيدكم. ويا رب منك أنت التوفيق، فأعط المخلصين مقدرة، وأعط القادرين إخلاصاً، فإننا نشكو إليك شكاة عمر: ضعف التقى وفجور القوى! (دمشق) علي الطنطاوي

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣