أرشيف المقالات

(أرواح وأشباح)

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
8 تحفة فنية للأستاذ محمد توحيد السلحدار بك خلقها صاحبها الأستاذ علي محمود طه الشاعر الملهم، فسواها صنيعاً شائقاً يمتع الأدباء أفئدتهم وألبابهم بجماله، ويكبرونه لطرافته وما فيه من أسرار الفن والشعر.

فما هي هذه الأسرار؟ إن هذا الصنيع منظومة أنافت على أربعمائة بيت في شأن يعني الإنسانية بأسرها، لأنه يتعلق بالفطرة البشرية؛ استوحى الشاعر فيها أساطير الإغريق الشعرية، وسيرة (آدم) و (حواء)، ومعنى هبوطهما من الملأ الأعلى، وخبرة الفنان في حياة الإنسان؛ وفاض شعره من نفس جياشة ومخيلة قادرة أرته أبطاله كأنهم أحياء يسمع أصواتهم؛ وجادت قريحته في تصويرهم، حتى كان من سحر فنه أن جعل قراءه يرونهم ويسمعون حديثهم، كما رآهم في خياله بهذه المميزات مجتمعة استحق الصنيع اسم ملحمة، وعظم شأنه في الأدب العربي ليست ملحمة حماسية، بل هي قصة الروح والجسد في محاورة موضوعها تجاذب الرجل والمرأة وأثر الغريزة في الفن بينهما؛ وهذا موضوع جدّي بعيد الغور، أحسنَ معالجته شاعر مثقف فما هي عناصر الشعر في هذه الملحمة؟ إنها أثمار المخيّلة والشعور وهِزَّة الإلهام.
إن الشاعر تخيّل الروح في عالم الأرواح، مجرّدةً يقظي لفضيلتها الملائكية؛ وَتخيّلها - على الأرض - ناعسة في طيفها منذ أمَّها وتضمَّنها ضعيفاً تصوّنها في الإنسان.
وتصوّر أرواحاً نزيهة تتحادث في الفن الرفيع بين الرجل والمرأة، وفي الجمال والشهوات والأهواء، وفي الخطيئة وتبعتها على الرجل هي أم على المرأة؟ واختار لهذه المحادثة روح فنان شاعر حان بعثه في الأرض، وأرواح شخصيات من عهد الآلهة والفنانين الذين تصفهم أساطير الأولين، ليدور الحديث بينها في الموضوع على المتبيِّن من سيرة الإنسانية منذ نشأتها حتى اليوم؛ وجعل رمزاً إلى القدرة سمَّاه: (صوتَ السماء)، ليهديها إلى حقيقة المقدور؛ وفرض أن حرم النزاهة والطهر في السماء مس فسيح الأرجاء، يقع فيه ما تصوّر من انطلاق تلك الأرواح في سحرها، ومن حركاتها وإشاراتها ودلالات ملامحها في محاورتها، ومن مرور الفنَّان بها وهو في صحبة ملّك يجوب به أجواز السماء، ومن اشتراك الثاني في المحاورة، ثم الأول إلى لحظة بعثه.
ذلك هو الخيال الأصلي في الملحمة؛ أما فروعه وحواشيه، فهي الخيالات البلاغية في الأسلوب، وقد زان الأصل والفرع من هذا الخيال، وزاد مزيته أعلاق فكرية تتعلَّق بالغريزة والنفس والجمال وبالحياة الاجتماعية، ولطائف أدبية كالإشارة إلى مانا وفنون هاواي، وإلى خروج موسى ببني إسرائيل من مصر، وقصته في أرض مدْين فهذه مخيِّلة قادرة اقتطفت من معارف لشاعر، وغيّرت ما كان بين المقتطف وغيره من أوضاع العلاقة والمناسبة، وأنشأت بذلك معاني وصوراً ومشاهد مثالية، أي لم توجد مجتمعة في الحقيقة وإن عُرفت أقسامها متفرقةً؛ وأحيت أبطالاً خياليين فكأنك تراهم في مُتحدّثهم، وتداخلك حساسات وخوالج من مَحضرهم؛ وأودعت الملحمة أثمار فروعها من الألمعيّة والبديهة وغيرهما.

فمن الألمعية في تشبيهات جديدة قوله: على مذبح الحب من قلبها ...
سراج يسبّح مَن لألأه .

.

.

.

.

.

.

...

.

.

.

.

.

.

. وتمشى الحياة علي نوره ...
وما نوره غير عين امرأة أهلّ بقلب كفرخ القطا ...
يرفرف تحت جناح القدر هو المرح الشارد المستهام ...
شرود الفراشة عند المساء ومن الألمعية في إدراك ما لا يُرى في الشيء أول وهلة وهو على الحقيقة فيه: هو الحب؟.

لا.

بل نداء الحياة ...
تلبيه أجسادنا الظامئة ومن الألمعيّة في توحيد المتضادين: هنالك (في الأرض) حيث تشبّ الحياة ...
وحيث الوجود جنين العدم .

.

.

.

.

.

.

...

.

.

.

.

.

.

. وحيث السعادة بنت الخيال ...
ولذتها من معاني الألم سلا مجده الضخم في قبلة ...
تذل وتسعد مَن ذاقها ومن البديهة كلمة تاييس، حين وصل الشاعر في وصفه حواء إلى هذا البيت: فيا لَكِ من طفلة فذّة ...
ورحماك سيّدة العالَم! وقالت بليتيس: يحاول بالشعر إغراءنا: هو الموقف الضنك ما يتّقيه ...
كما يتَّقي باشق صائده فجاءت بأبلغ ما يخطر للموافق ويناسب المقام. أما الشعور فأثماره ما خامر الملحمة من الوجدانيات؛ وهي عنصر أساسي في كنه الشعر كالخيال: لأن الحب والبغض، واللذة والألم، أمور توجد في صميم الشهوات والأهواء والخوالج الإنسانية جميعاً، أيّا كان باعثها وكان الاسم الذي تسمى به؛ والأصل أن خاصَّة التلذذ والتألم والحب والبغض، وطلبِ كل جميل ونفع وخير، وتجنّبِ كل قبيح وضر وشر، هي خاصة في البشر أجمعين.
ولذا فإن كل حسَّة تعرو نفس إنسان ويصفها وصفاً صادقاً تجدلها صدى في القلوب.
وشاعرنا الملهم صادق الوصف في ملحمته.
وحسبنا شاهداً وقع هذه الأبيات من وصفه حواء: وكم ذكريات لها عذبة ...
أعيش عليها وأحيا بها .

.

.

.

...

.

.

.

. يسائلني القلب عن أمرها ...
وأسأله أنا عن سرها ويعطفني في الهوى ضعفها ...
وأنسى بأني في أسرها .

.

.

.

...

.

.

.

. أحاول أفهمها مرة ...
فأعيا بها وبتفكيرها ومن وصفه استنكار بليتيس في غضبتها على الفنان: تأثَّم بالفن حتى غوى ...
وما الفن بالمرأة الخاطئة .

.

.

.

...

.

.

.

. ألم ينسم الخلد من عطرها ...
ألم يعبد الحسن في زهرها؟ ومن وصفه هوى الانتقام في بليتيس إذ تقول: أدلِّه هذا الفتى ...

.

.

.

. وأغرس في قلبه زهرة ...
من الشر راوية نامية .

.

.

.

...

.

.

.

. إذا استافها الرجل العبقري ...
تحول كالحيوان الوخِم تضج البلاهة من حوله ...
وينظر كالصنم المبتسم وإذا ما تضاعفت نشاط الذهن والمخيلة، وزادت يقظة الشعور حتى تناهى نشاطهما ويقظته معاً، فذلك فوران النفس الشحوذ في الشاعر الموهوب فوراناً يضطره إلى الإفضاء بما يخامرها، فيتبعّث منها الشعر؛ وذلك هو شيطان الشاعر في حسَّة تجليه؛ وتلك هي الملكة أعظم ما تكون حرية وانطلاقاً، وأرفع ما تكون سمواً، وهي بعينها هِزَّة الإلهام الذي ابتدع هذا الصنيع الباهر ولقد كملت صفاته الشعرية بما عليه من مسحة عقلية، لا من العقل الفلسفي الهادئ، بل من العقل الذي جعل الملحمة مشابهة للحقيقة، إذ خلت من التناقض في مواقف أبطالها وفي نفوسهم الظاهرة أحوالها من كلامهم على ما شاءت لهم الفطرة والأقدار واستقام في خيال الشاعر. ومما زاد الملحمة مشابهةً للحقيقة إتقان المحاورة بين أبطالها، إتقاناً جعلها حية، طبيعية، شائقة، فقد أبدى كل منهم رأياً وعرض حججه، وفي كل من آرائهم شيء مقبول، أو على ظاهر من الحق؛ وكان كلامهم سؤالاً يستدعي جواباً، أو قولاً يجلب اعتراضاً أو تحذيراً؛ واستيقافاً يسلِّم صاحبه جدلاً، أو يبدي تحفظاً؛ وبياناً يحوز موافقة، أو يثير دهشة أو إعجاباً ثم إن هذا الموضوع خرج في وحدة سالمة من الاضطراب ومن النظام الرتيب، إذ له مدخل شعري لطيف الإشارة إلى الغرض منه، ووسط يشرحَه، وخاتمة يحسن السكوت عليها؛ وأجزاؤه مرتبة ترتيباً يوثق العلاقة بينها، ويشد فيه بعضها بعضاً، ويجمع بينها ارتباط قويّ. ومن صفات هذه الملحمة وضوح موضوعها لأن وقائعه مختارة بذوق سليم، مسلسلة سلسلة طبيعية معقولة، خاصة من كل تفصيل لا طائل وراءه، ومن كل حادث أو موقف ليس يوافق شرح هذا الموضوع أو ليس بسبيله. وزد أن الملحمة كلها شائقة جد شائقة بما بين أجزائها من تناسب موفَّق، وبما فيها من إشارة - عن بصيرة وفي قصد - إلى الأسباب في أقوال أبطالها وفي حركاتهم، ومن تشويق إلى الوقوف على الحكم في آرائهم الشائقة في ذاتها، وإن كانت لا تحول حيلولة دون تمكين البصير من حَزَره قبل الأوان؛ وأيضاً أن عنصر الوحدانيات داخل في المواضع الملائمة من الكلام المزدان - على اعتدال - بخواطر نيّرة، وعبارات أنيقة وإشارات بارعة.
ومن إشارات: دعي الوهم سافو ولا تحقري ...
بليتيس معجزة الشاعر فما نتّقيه بحيّاتنا ...
إذا هو ألقى عصا الساحر ومنها: رأى جسم (حواء) فاشتاقه ...
فهاجت به النزوة المسكرة .

.

.

.

.

.

...

.

.

.

.

.

. سما جسمها وتأبّى عليه ...
فجرَّد في وجهها خنجره هذه ملحمة شائقة أيضاً بأسلوب من الفصاحة والبلاغة لاءم موضوعها، وتلوَّنت لهجته تبعاً لطبيعة ما تضمن من خواطر وجدانيات؛ وهو أسلوب محكم الصياغة دقيق، إن أضيف إليه شيء - بغض النظر عن ميزان الشعر - أضعف المعنى فيه، وإن حذف شيء منه أحدث الحذف غموضاً؛ سليم من التصنع لخلوّه من مخالفة طبائع الأشياء بالغلو والإغراق في المعنى، أو بالمجازات والاستعارات البعيدة، أو بفرط المحسنات، أو بكل أولئك؛ أسلوب واضح من ذلك الوضوح الذي يكون في طبيعة ذهن المنشئ قبل أن يكون في معانيه، ويكون في معانيه قبل أن يكون في كلماته وكلمه، منسجم في ائتلاف شامل وجرس مطرب ذلك هو الشعر المتدفق من ملكات طليقة حرّة، ومن عقلية مثقفة، في أسلوب عربي مبين، عليه طابع من الوضوح والأناقة، معتاد من صاحبه؛ وليس كشعر يتقطّر من ملكات طغت عليها الحافظة، ويقال في موضوعات لم يؤثر شيء منها في نفس الناظم، وإن كثرت في النظم كلمات ومعان يغلب وجودها في الشعر وتلك أسرار الشعر والجمال والفن الرفيع في كتاب: (أرواح وأشباح): الذي جمع من المميزات ما جعله تحفة فنية بديعة ضُمَّت إلى كنز الأدب العربي الخالد، وبرهاناً على فضل المجدد والتجديد. محمد توحيد السلحدار

شارك الخبر

المرئيات-١