أرشيف المقالات

محمد محمود باشا

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 رجلان يُرْبكان الكاتب إذا حاول أن يكتب عنهما: رجل لا يستطيع أن يجد ما يقوله فيه، ورجل لا يستطيع أن يَختصر ما يعرفه عنه.
ووصْف (الأول) بالرجولة تساهل في التعبير، وإطلاق لفظ الرجل على (الآخر) قصور في اللغة؛ فإن من المسلَّمات في تاريخ الإنسان أن من أفراده من يعلمون حتى يكونوا خيراً من الملائكة، ومنهم من يسفلون حتى يكونوا شراً من البهائم.
أولئك هم أصحاب الرسالات فحياتهم للناس، وهؤلاء هم أصحاب الشهوات فحياتهم لأنفسهم.
ولا مراء في أن الرجل الذي فقدته مصر في هذه الأيام السود كان من البابة الأولى في الرجولة: تجلت في خلائقه مزايا الإنسان الرفيع فاتفق على نبله الصديق الحميم والعدو الكاشح؛ وتمثلت في أفعاله خلال الشريف الحر فاعترف بفضله الوطني النزيه والأجنبي المنصف؛ وعاش محمد محمود عمراً ثم مات، كما اشتعل القبس حيناً ثم انطفأ، فقال قوم هو النور والإشراق، وقال آخرون بل هو النار والإحراق؛ وما أرسل الله من قبلُ حكيماً ولا زعيماً إلا آمن به بعض وكفر به بعض.
وليس الإيمانُ بالدعوة دليلاً على الصدق، ولا الكفران بها دليلاً على الكذب. لا يَعني (الرسالة) من تاريخ صاحب الهوى الرفيع والنفس الكبيرة محمد محمود إلا دينه وخلقه وأدبه؛ وهو في هذه الثلاثة بإجماع الكلمة كان مضرب المثل وموضع القدوة.
فدينه دين المعتقد عن علم، وخلقه خلق التقي عن عقيدة، وأدبه أدب السرى عن أصالة.
وما اجتمعت هذه الصفات في زعيم حكيم إلا كانت ضماناً لحسن نيته وأماناً من سوء عمله. أما السياسة فلا تزال في الشرق العربي كله أثراً للعوامل الأجنبية، فلا تتأثر برأي حزب ولا تتغير بإرادة حكومة.
فمن الخطل أن ندخلها في أسباب الحكم على زعيم أو حاكم ما دام يتأثر بها ولا يؤثر فيها.
وإذا اعتبرنا السياسة على هذا الوجه السلبي وشهوة من شهوات النفس الطموح تصل من طريقها إلى المال أو الجاه أو الحكم، فقد أبى لزعيم الأحرار الدستوريين نبل فطرته وكرم أسرته أن يجعل أي عَرضِ من هذه الأعراض الدنيا غاية لهذا الطريق. اجتمعت لمحمد محمود باشا أرستقراطية النسب والمال والعلم والمنصب.
فلو أنه كان يندلق على الناس بالبطر والزهو في الشوارع والمجامع لما كان ذلك بِدْعاً من الأمر، ولكنه - برّد الله بالرحمة ثراه - ظل طول حياته يطالع الجمهور ويعالج الأمور ومن دونه حجاب من التصون الكريم لا يسمح له أن يتخذ الشعب إطاراً لصورته، ولا مظهراً لعظمته. لم يقل أحد من الناس في وقت من الأوقات: هذا محمد محمود يعرض سلطان منصبه على عيون الفقراء، أو يفرض إعلان موكبه على حناجر الدهماء، أو يرفد ثروته الضخمة بعضوية ظنينة في شركة من الشركات أو في بنك من البنوك! ولم يقل أحد من الناس في مناسبة من المناسبات: هذه زوج محمد محمود تتمرد على تقاليد الشرق وآداب الإسلام، فتشهد مع الرجال حفلات النهار وسهرات الليل! ولم يقل أحد من الناس في حالة من الحالات: هذا ابن محمد محمود ينبو على القانون في الدواوين، أو يعربد على الناس في عماد الدين، أو يتنبل باللباس والمركب في طريقه إلى نادي القمار أو إلى سباق الخيل! إن بيت آل محمود وبيت آل عبد الرزاق هما المثلان الصحيحان في مصر للأسرة المسلمة الحديثة.
ذلك لما تهيأ لهما من وسائل السؤدد وشمائل الفتوة؛ وجماع هذه الوسائل وتلك الشمائل قيامهما على أركان من المجد والمال والعلم والشخصية القوية قلما تجتمع كلها لبيت واحد.
والسر كله في الشخصية الأصيلة التي خلقت من التليد والطريف والشرقي والغربي مدنية مستقلة كانت أبلغ حجج الإسلام والشرق على من يقولون بلسان الجهالة والوضاعة إن الإسلام ينافي التمدن، وإن الشرق يجافي الحضارة. ومن هنا كانت حياة الفقيد العظيم بخصائصها المميزة من العزة والعفة والإباء والصدق، رسالة خلقية تقوم على الدعوة والقدوة في فترة من المصلحين الصالحين تفككت فيها الأواصر وتحللت العقد وانماعت النفوس، وأصبح كل عمل يجوز، وكل شيء يمكن، وكل وضع يستقر! رحم الله محمد محمود! لقد كان فوق الشهوات والحزازات والحوادث فكان عفَّ اليد واللسان والضمير.
وكان الناس لندرة هذه الخلال فيهم يحسبونه قد نزع في ذلك إلى أبناء (أكسفُرد)؛ وما كان الشبه بينه وبينهم إلا في صفات القوة كصراحة الخُلق وصرامة النظام والاعتداد بالنفس والاستقلال في الرأي وما يستتبع أولئك من المحافظة على السَّنن الموروث والاكتراث للعرف المتَّبع.
وأصول هذه الأخلاق مما ينبت طبيعةً في أقاليم الصعيد؛ ولكنها تزكو زكاء الكلمة الطيبة إذا غذت أرومتها خصائص الجنس الممتاز وفضائل الدين الصحيح. فإذا برَّح بالأمة الحزن عليه فذلك لأنه كان المثل الشاهد على أنها تلد الرجال الكمَلة إذا نشَّأتهم على سننها القويمة، ولأنه كان القدوة الحسنة لمن كان يشك في نجاح الأخلاق الكريمة. رحم الله محمد محمود، وعزى أسرته على رزئه أجمل العزاء، وعوض أمته من فقده خير العوض! أحمد حسن الزيات

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣