أرشيف المقالات

من مزايا عصر السرعة!

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 الحرب بين أمس واليوم يقول الأغرار من الناس إن السرعة الخاطفة عبقرية هذا العصر ومزيته.
فمن لم يجرِ مرَّ على ظهره المتأخر وغيَّر في وجهه المتقدم.
وواجب السرعة أن تعمل ولا تستريح، وتفكر ولا تتأمل، وتأكل ولا تتذوق، وتنام ولا تحلم، وتموت ولا تمرض.
ونحن نقول لهم إن السرعة ليست عبقرية ولا مزية؛ وإنما هي مس من الجنون أصاب العالم منذ اخترعت الآلة.
ذلك أن الآلة مخلوق أرضي جهزه العلم بعشرات الأعضاء ليس بينها اللسان ولا القلب ولا العقل ولا الروح، فهي تلد ولا ترأم ما تلد، وتعمل ولا تضمن ما تعمل؛ وهي تكون للشر كما تكون للخير، وتنتج للموت كما تنتج للحياة.
وطبيعة الآلة سرعة الحركة ووفرة الإنتاج؛ فلم تكد تسيطر على مجاري العمل في أقطار الأرض حتى دفعت العالم دفعاً عنيفاً إلى الإهتلاك والاستهلاك والتسابق والتنافس والإصطراع والكدح، فهو دأب لا يفتر، ونصب لا يستروح، ونهم لا يشبع، وعراك لا ينقطع.
ولئن سألت المتبجحين بعصر السرعة على العُصر الخوالي كيف يجد الجسم راحته في هذا الاضطراب الدائم، وأين يلتمس القلب سعادته في هذا الجحيم المستعر؛ وماذا أدرك راكب السيارة أو الطيارة أكثر مما أدرك صاحب الجمل والحمار وراكب الحنطور والقطار، لا تسمع منهم غير جواب أشعب حين أجرى الصبيان إلى الوليمة خادعاً بالحيلة، ثم جرى هو معهم مخدوعاً بالوهم! هذه هي الحرب التي عرفها العالم منذ خلق الله آدم وإبليس قد انقلبت في عصر السرعة آلية لا تعتمد على فضائل النفس ولا على خصائص الروح، وإنما تعتمد على سرعة الدواليب في الطيارة والسيارة والدبابة والدراجة والغواصة والبارجة.
فأصبح الفرق بين الآلة والسيف في حصد الأرواح كالفرق بين الماكينة والمنجل في حصد الحنطة! إن معركة الفلندر التي شبت بين الألمان والحلفاء أهلكت في أيامها المعدودة من الأنفس والأموال أكثر مما أهلكت حرب البلوبوينز التي نشبت ثمانياً وعشرين سنة بين أسبرطة وأثينا، والحروب الميدية التي اشتبكت أربعين سنة بين الفرس والإغريق، وحرب البسوس التي اضطرمت أربعين عاماً بين بكر وتغلب، والحروب الصليبية الثمان التي ظل ضرمها يحتدم ويخبو قرناً وثلاثة أرباع القرن بين الغرب المسيحي والشرق اشتعلت هذه الحروب بين المدن أو بين القبائل أو بين الأمم قبل أن يوضع القانون الدولي وتُنشأ عصبة الأمم، ومع ذلك تكشَّف عجاجها الأقتم عن خلال مشرقة من الفتوة والبطولة والنبل والإيثار والوفاء والتضحية كانت للأدب الإنساني الخالد مصدراً لا ينقطع رفده ولا يفتُر وحيه. وكانت الحروب الإسلامية على الأخص في الفتوح أو الفتن تجري على سَنن مستقيم من الدين والخلق والأدب لا تزيغ عنه.
فالقلوب التي تجيش بالغل لا تلبث أن تخشع للصلاة، والألسنة التي ترتجز بالحماسة لا تنسى أن تتناشد بالأدب.
وما ظنك بجيش يفرض عليه دينه أن يؤدي الصلاة جماعة في المعركة؟ أتراه حريَّا أن يجاوز الحد إذا قاتل، أو يجانب الوفاء إذا عاهد؟ وما رأيك في جيشين يتهادنان ساعة ليحكم فارس بين رجلين اختلفا في المفاضلة بين شاعر وشاعر، وكان الحكم من جيش والمختلفان من جيش آخر؟ لقد رووا أن رجلين تنازعا في عسكر المهلب في جرير والفرزدق وهو بازاء الخوارج، فصارا إليه، فقال: لا أقول فيهما شيئاً، ولكن أدلكما على من يهون عليه سخطهما: عبيد بن هلال، وهو يومئذ في عسكر قطرى بن الفجاءة.
فأتيا فوقفا حيال المعسكر، فدعواه فخرج يجر رمحه وظن أنه دعي إلى المبارزة، فقالا له: آلفرزدق أشعر أم جرير؟ فقال: عليكما وعليهما لعنة الله، فقالا: نحب أن تخبرنا ثم تنصرف إلى ما تريد.
فقال: من يقول: وطوى القيادُ مع الطراد بطونَها ...
طي التِّجار بحضرموت برودا قالا: جرير.
قال: هو أشعرهما! فقل لي بربك: أين تلك الحرب التي كان يبرز فيها رجل لرجل فيتقاولان ويتصاولان على مسمع ومرأى من الجمعين المتقابلين، حتى إذا حميت الصدور واحمرت الحَدق حمل بعضهم على بعض فيُقتل نفر ويجرح نفر - من هذه الحرب الميكانيكية التي يقف فيها المليون حيال المليون فتغشاهم ظُلل من السماء ترسل الشهب والصواعق، وتكر عليهم قُلل من الحديد تقذف اللهب والقنابل! ثم يُرعد الجو والبر والبحر بآلات الموت والدمار ساعة من الليل أو النهار، فإذا بك لا ترى بعد ذلك عشرات من البلدان عمرتها الحضارة في دهر، ولا ألوفاً من الشبان نشأتهم المدنية في جيل! لقد أتخذ الفرس يوم القادسية دبابات من الفيلة هولوا بها على المسلمين بعض الوقت، ولكن العرب لم يلبثوا أن أصابوا مقاتلها في الخراطيم فمسحها الشهداء بالسيوف، فانقلبت الفيلة إلى أهلها فعجنتهم بأرجلها وهي مولية.
ولكن دبابات هتلر كضمير هتلر لا تحس الوخز ولا تحفل الصدام ولا تبالي العاقبة؛ فهي تهجم هجوم الجراد الجهنمي على النبي العميم، فلا تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم.
فإذا أضفت إلى ذلك الويل أن الذين أوقدوا نار هذه الحرب حلوا أنفسهم من روابط الدين والخلق والقانون والعرف والشرف، أدركت مبلغ ما تعانيه الإنسانية اليوم من يأجوج ومأجوج في أمة بسمرك ونيتشه وغليوم وهتلر! ليت للعالم يا رباه كرَّةً إلى عصر الجمل والحصان، وحرب السيف والسنان، ومدنية القلب واللسان، لينجو من هذا العلم الذي يدمر ما يعمر، ويخلص من هذه الحضارة التي تأكل ما تلد! أحمد حسن الزيات

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣