أرشيف المقالات

رقص ورقص

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 للأستاذ عباس محمود العقاد كان شتاء هذا العام في القاهرة موسماً عامراً بالمتعة الفنية التي تنتقل إليها. شوهد فيه معرض التماثيل الفرنسية، وشوهد فيه معرض بل معارض شتى للصور المصرية، وشوهد فيه تمثيل فرقة من أحسن الفرق الإنجليزية لروايات من أحسن الروايات القديمة والحديثة، وشوهد فيه أو سمع فيه شريط شامل لأغاني الموسيقار العظيم جوهان شتراوس، الذي يقال بحق إنه أرقص الكرة الأرضية في مدارها؛ إذ لم يبق في المغرب ولا في المشرق إنسان يرقص على الأنغام الفنية المهذبة إلا وقد رقص على أنغام جوهان شتراوس. عازف عظيم تفيض ألحانه بالمرح والطرب والشباب والحياة.
بلغ مبلغ القادة أصحاب الفرق وهو في الحادية والعشرين، وعزف للملوك والملكات فغلبهم على وقار العرف، ووقار العرش، ووقار السن، في كثير من الأحيان.
وما في التاسعة والأربعين عن مئات من أدوار الرقص على اختلافه، وخرج من العاصمة الإنجليزية قبيل موته في أسطول من الزوارق التي تحييه بالغناء والهتاف.

وأوصى بعد كل هذا النجاح وكل هذا الطرب وكل هذا السرور الذي أمتع به الناس.
فبماذا أوصى؟ بأعجب ما يخطر على بال.

أوصى ألا يتعلم أبناؤه الصناعة الموسيقية أبداً، وأن يختاروا ما شاءوا من الصناعات إلا صناعة أبيهم.

فأنبأنا بذلك نبأ ليس بالجديد، وإن كان لنسيان الناس إياه قد يحسب من الجديد الغريب: ذلك أن حياة الفن حياة فداء لأنها حياة فتوح.
فما من فنان عبقري إلا وهو فاتح بمعنى من معاني الفتح والجهاد؛ وكل جهاد فداء، وكل فداء فيه ألم محقق، وللنصر بعده سرور مشكوك فيه، لأنه سرور يتمناه من قد حرمه من النظارة المتفرجين.

أما صاحبه فقلما يحسه من قريب. على أن أبناءه قد خيبوا حنانه وإن لم يخيبوا ظنه، فقد نشأوا جميعاً موسيقيين ناجحين مشهورين، وأوشكت إعمالهم أن تلتبس بأعمال أبيهم، ولم نسمع أن أحداً منهم أوصى بمثل وصيته في ساعة الوفاة، ولم نسمع بأعقاب لهم في عالم العزف والغناء! كانت الليلة التي قضيناها في سماع (شتراوس) من ليالي الفن النادرة؛ وكانت دار ال المتحركة مكتظة بالسامعين؛ وكان تسعة أعشارهم من الأوربيين، والعشر الباقي من المصريين الذين لا يسيغون ما يساغ من ذلك الغناء الشائع في بلادنا، إن صحت تسميته بالغناء. وسألنا أنفسنا: أين يختلف الفنان وهما على حسب المفروض أو المظنون من معدن واحد؟ إن موسيقى شبراوس إحدى الموسيقات التي يصح أن تسمى غنائية بسيطة تمييزاً لها من الموسيقى العويصة المركبة التي يريدها عشاق فاجنر، أو الموسيقى العقلية الصافية التي يذيعها في هذا العصر ستافنسكي فإذا كانت هذه الموسيقى الغنائية لا تساغ في مصر فما الفارق بينها وبين موسيقى الغناء الشائع بين الجمهرة (السامعة) من سواد المصريين؟ الفارق أنك لا تستطيع أن تضع موسيقى شتراوس على لسان حيوان. فهي تمثل المرح، ولكنه مرح الفكر الإنساني حين ينشط فيملى نشاطه على الحواس والأعضاء. فالراقص على أنغام شتراوس إنما يرقص لأن له نفساً إنسانية قد شاع فيها السرور فنهضت بالجسم الذي هي فيه إلى الحركة الموزونة والنشاط المنسوق. أما المرح الذي تمليه الأغاني السقيمة عندنا فهي تمثل الحيوانية كما مسخها الإنسان حين استغرقها كلها في الشهوة والخلاعة، والحيوان لا يعرف الخلاعة في الشهوات كما يعرفها الإنسان الممسوخ ومرقصات شتراوس لا تخلو من بعض الشجا وبعض الأنين ولكن أي شجا؟ وأي أنين؟ شجا إنسان وأنين إنسان. أنا هذه الشكايات التي نسمعها في الأغاني السقيمة فليس فيها قط ما يستكثر على حيوان. فإن الحيوان ليحس الانقباض ويحس الألم، وإذا ضرب أو سقم فترجمت شكايته كلاماً عربياً فليس بالكثير عليه أن يقول (آه) وأن يذكر اللوعة والسهر والصيام عن النوم والطعام أما الأنين الذي يريك فكراً يتألم، أو يريك معنى إنسانياً في حالة الشكاية والقنوط، فذلك شيء مختلف جد الاختلاف عن هذه الكلمات التي لا تعدو أن تكون صرخات حيوان، مترجمة إلى عبارات إنسان ومن الظلم للفن أن نطلق اسم الفنون على هذه الأغاني المرقصة التي تهتز لها أعطاف بعض السامعين في الأقطاب الشرقية فالحق أنها نقيض الفنون في جوهرها المشترك بين جميع المعاني الفنية لأن الجوهر المشترك بين جميع المعاني الفنية هو تغليب الفكرة على المادة، أو سيطرة المعاني على الأشكال فالرخام مادة تتغلب عليه فكرة الفنان فإذا هو مثال لمعنى من معاني الجمال والكلمات مادة مبعثرة تتغلب عليها فكرة الشاعر أو الكاتب فإذا هي وحي ناطق بأحاسيسه ومعانيه والجسم مادة تتغلب عليه الحركة الموزونة فإذا هو رقص يريك كيف تساق الأعضاء في مطاوعة الألحان والأصداء، وكيف تخضع الأجسام لإملاء النظام والرواء كل فن فهو فكرة غالبة على ما على مادة، أو معنى غالب على شكل، أو فوضى ممثلة في صورة جميلة فما هي المرقصات التي تهز الأعطاف بين جمهرة السامعين من سواد الشرقيين هي نقيض ذلك هي غلبة الجسدي على المعنوي، وهي طغيان المادية على المطامح الإنسانية، وهي انقياد وليست هي بإخضاع وترويض وتنظيم هي الشيء الذي يذهب سفلاً حين يذهب الفن صعداً، وهي الفتور الذي يهبط بالأجسام إلى مهاوي الشهوات، وليست هي بالنشاط الذي يطير بالأجسام في فضاء المرح والطلاقة وقد تسف وتنحدر من سماء شتراوس إلى حضيض (الجازنبد) الذي لا شك في غلبة الشهوات عليه، فهل من عين بصيرة يغم عليها الأمر فلا تبصر الفارق بين شهوات الجازبند وشهوات المرقصات المعهودة في هز الأعطاف وتحريض النزعات؟ الجازبند مرح جسدي ولكنه مرح حيوان صحيح ممتلئ برغبات الحياة يصول في حركة حية لا تعرف الإعياء أما (هز الأعطاف) المعهود فهو مرح جسدي أيضاً ولكنه يذهب بصاحبه إلى السرير ولا يندفع به اندفاع الحيوان القوي السليم وفرق بين حيوان في سلامة الحيوانية، وحيوان يضاف إليه مسخ الإنسانية، ولا يظفر من الحيوانية بالصحة واستقامة الفطرة فرق بين رقص شتراوس ورقصنا، بل فرق بين رقص الجازبند ورقصنا، لأن رقص شتراوس معنى إنساني، ورقص الجازبند فطرة حيوانية، ورقص الأغاني المبتذلة عندنا قد خلا من أجمل ما في الإنسان، واجمل ما في الحيوان، وجمع المسخ والتشويه في هذا وذاك لم يكن شأننا كذلك في الزمن القديم، لأننا نرى على المعابد الفرعونية صور الراقصات والراقصين، ونرى في الريف المصري مثالاً متخلفاً من رقص الرجال والنساء، فلا نجد في هذه المناظر المرسومة أو المشهودة خلاعة ولا شهوة ممسوخة، بل نجد فيها جميعاً ما أسلفناه من غلبة المعاني وانقياد الأجساد، أو نجد فيها صحة الفطرة واستقامة البنية الحيوانية.
ولا ندري متى نعود إلى ما كنا عليه، أو متى ندين بدين الفن الجميل في تغليب النظام على الفوضى، والفكرة على المادة، والمعاني الإنسانية على الدوافع الجثمانية.
ولكننا ندري أننا عجزنا زمنا طويلاً عن إخضاع أجسادنا لأفكارنا أيام كنا بأجسادنا وأفكارنا خاضعين لغيرنا.

فقد حان إذن موعد الخلاص من قيودنا، ولن تزال فينا بقية من قيود الأسر والاستعباد، ما بقيت الفنون عندنا فنون أجساد أو فنون استسلام وانقياد. عباس محمود العقاد

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١