أرشيف المقالات

شرح حديث أبي مسعود البدري: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
2شرح حديث أبي مسعود البدري: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى   عَنْ أبي مَسْعودٍ رَضْيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّي اللهُ عليه وسلَّم كان يقولُ: «اللهمَّ إنِّي أسأُلك الهُدَي والتُّقَي والعفَافَ والغِنَي».
رَواهُ مُسْلمٌ.   قال العلَّامة ابن عثيمين رحمه الله: من الأحاديث التي أوردها المصنف - رحمه الله - في باب التقوى هذا الحديث: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعوا الله - عزَّ وجلَّ - بهذا الدعاءِ: «اللهُمَّ إنِّي أسألُك الهُدي والتُّقَي والعفافَ والغِنَي».   «الهدى»: هنا بمعني العلم، والنبي صلي الله عليه وسلم محتاج إلى العلم كغيره من الناس؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى قال له: ﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: من الآية 114].
وقال الله له: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: من الآية 113]، فهو عليه الصلاة والسلام محتاجٌ إلى العلم، فيسأل الله الهدي.
والهدي إذا ذُكر وحده يشمل العلم والتوفيق للحق، أمَّا إذا قُرِن معه ما يدلُّ على التوفيق للحق فإنَّه يفَسَّرُ بمعني العلم، لأنَّ الأصل في اللغة العربية أنَّ العطف يقتضي المغايرة، فيكون الهدي له معني، وما بعده مما يدلُّ على التوفيق له معني آخر.   وأما قوله: «والتقي»؛ فالمراد بالتقي هنا: تقوي الله عزَّ وجلَّ، فسَألَ النَّبيُّ صلّي الله عليه وسلَّم ربَّه التُّقَي أي: أن يوفِّقه إلى تقوي الله، لأنَّ الله - عزَّ وجلَّ - هو الذي بيده مقاليدُ كلِّ شيءٍ، فإذا وكل العبدُ إلى نفْسِه ضاع ولم يحصل على شيء، فإذا وفقه الله عزَّ وجلَّ، ورزقه التُّقَي، صار مستقيمًا علي تقوي الله عزَّ وجلَّ.   وأمَّا قوله: «العفاف»، فالمراد به أن يمنَّ الله عليه بالعفاف والعفة عن كل ما حرم الله عليه، فيكون عطفه على التقوى من باب عطف الخاص على العام، إن خصصنا العفاف بالعفاف عن شيءٍ معيَّنٍ، وإلا فهو من باب عطف المترادفين.
فالعفاف: أن يعف عن كل ما حرَّم الله عليه فيما يتعلق بجميع المحارم التي حرَّمها الله عزَّ وجلَّ.   وأمَّا «الغني»؛ فالمراد به الغني عما سوي الله، أي: الغني عن الخلق، بحيث لا يفتقر الإنسان إلى أحدٍ سوى ربِّه عزَّ وجلَّ.
والإنسان إذا وفقه الله ومنَّ عليه بالاستغناء عن الخلق، صار عزيز النفس غير ذليل، لأنَّ الحاجة إلى الخلق ذلٌ ومهانة، والحاجة إلى الله تعالى عزٌ وعبادة، فهو عليه الصلاة والسلام يسألُ الله عزَّ وجلَّ الغني.
فينبغي لنا أن نقتدي بالرَّسول عليه الصلاة والسلام في هذا الدُّعاءِ، وأن نسأل الله الهدي والتُّقَي والعفاف والغني.
وفي هذا الحديث دليلٌ علي أنَّ النبي صلي الله عليه وسلم لا يملكُ لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، وأنَّ الذي يملك ذلك هو الله.
وفي دليل أيضا على إبطال من تعلَّقوا بالأولياء والصَّالحينَ في جلب المنافع ودفع المضار، كما يفعل بعض الجُهَّال الذين يدْعون الرسول عليه الصلاة والسلام إذا كانوا عند قبره، أو يدعون من يزعمون أنهم أولياء من دون الله، فإنَّ هؤلاء ضالون في دينهم، سفهاء في عقولهم، لأن هؤلاء المدعوين هم بأنفسهم لا يملكون لأنفسهم شيئًا، قال الله تعالى لنبيه صلي الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ [الأنعام: من الآية 50]، وقال له: ﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ [لأعراف: من الآية 188]، وقال له: ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ [الجن: 21، 22].
فالإنسان يجب أن يعلم أن البشر مهما أتوا من الوجاهة عند الله عزَّ وجلَّ، ومن المنزلة والمرتبة عند الله، فإنهم ليسوا بمستحقين أن يدعوا من دون الله، بل إنَّهم - أعني من لهم جاه عند الله من الأنبياء والصالحين - يبرؤون تبرؤنا تاما ممن يدعونهم من دون الله عز وجل.   قال عيسي عليه الصلاة والسلام لما قال له الله: ﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ [المائدة: من الآية 116]، ليس من حق عيسي ولا غيره أن يقول للناس اتخذوني إلهًا من دون الله: ﴿ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ﴾ [المائدة: من الآية 117، 116].   فالحاصل أنَّ ما نسمع عن بعض جهال المسلمين في بعض الأقطار الإسلامية، الذين يأتون إلى قبور من يزعمونهم أولياء، فيدعون هؤلاء الأولياء؛ فإنَّ هذا العمل سفَهٌ في العقلِ، وضلالٌ في الدين.
وهؤلاء لن ينفعوا أحدًا أبدًا، فهم جثث هامدة، هم بأنفسهم لا يستطيعون الحراك، فكيف يتحرَّكون لغيرهم، والله الموفق.   المصدر: «شرح رياض الصالحين» (1 / 528 - 531)



شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢