أرشيف المقالات

أوتيت الكتاب ومثله معه

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2أوتيت الكتاب ومثله معه   عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، أَلَا وَلَا لُقَطَةٌ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُمْ، فَلَهُمْ أَنْ يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُمْ))[1].   وعَنْ عُبَيْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ))[2].   بيان غريب الحديث: ♦ ((يوشك)): من أوشك، أي: قرب.
((أريكته)): السرير في الحَجَلَة، ولا يسمى منفردًا أريكة، وقيل: هو كل ما اتُّكِئ عليه.
((لقطة)): اللُّقطة: ما وجدته مرميًّا في الأرض، لا تعرف له صاحبًا.   أهم ما يستفاد من الحديثين: ♦ فيهما دلالة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم، لذلك وضعها الحافظ البيهقي في كتابه دلائل النُّبوة؛ إذْ نبَّه فيه وأخبر صلى الله عليه وسلم عن أناس سيأتون من بعده يردون فيه السنَّة النَّبوية، مقتصرين على القرآن في زعمهم الكاسد، وفهمهم العاطل.   ♦ وقد وصفهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالشبع والاتكاء على الأريكة، والاتكاء يدل على المعاني التالية: التكبر والتجبر والبطر، والقعود عن طلب العلم وتحصيله والسعي وراءه؛ قال العلَّامة القاري (1014هـ) رحمه الله: (وفيه إيماء إلى أنَّ من كَثُرَ أكله لا يقدر على استمساك نفسه، ويمكن أن يكون قوله (شبعان) كناية عن غروره بكثرة علمه، وادعائه أن لا مزيد على فضله.   ♦ وفيه إشارة إلى أنَّ السالك ينبغي أن يكون دائمًا حريصًا في طلب العلم كالجيعان في طلب الرزق؛ قال الله تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114])[3].   ♦ وفيه أنَّ هؤلاء المشككين يعيشون في الترفه والدعة واللامبالاة.   ♦ ويدل الحديثان على أنَّه لا يجوز الإعراض عن حديثه عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ المعرض عنه معرض عن القرآن أصلًا؛ لأنَّ الله يقول: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4]، ويقول تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]؛ قال حسان بن عطية الدمشقي (بعد120هـ): (كان جبريل ينزِلُ على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالسُّنَّة كما ينزلُ عليه بالقرآن)[4].   قال شيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ) رحمه الله: (فهذه النصوص توجب اتباع الرسول وإن لم نجد ما قاله منصوصًا بعينه في الكتاب، كما أنَّ تلك الآيات توجب اتباع الكتاب وإن لم نجد ما في الكتاب منصوصًا بعينه في حديث عن الرسول غير الكتاب، فعلينا أن نتَّبع الكتاب وعلينا أن نتَّبع الرسول، واتباع أحدهما هو اتباع الآخر؛ فإنَّ الرسول بلَّغ الكتاب، والكتاب أمر بطاعة الرسول، ولا يختلف الكتاب والرسول البتة، كما لا يخالف الكتاب بعضه بعضًا؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]، والأحاديث كثيرة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في وجوب اتباع الكتاب، وفي وجوب اتباع سنته صلى الله عليه وسلم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسر القرآن كما فسرت أعداد الصلوات وقدر القراءة فيها، والجهر والمخافتة، وكما فسرت فرائض الزكاة ونصبها، وكما فسرت المناسك وقدر الطواف بالبيت، والسعي ورمي الجمار ونحو ذلك، وهذه السنة إذا ثبتت، فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب اتباعها)[5].   ♦ وفيها دليل صريحٌ على حجية السنة، وقد نُقل الإجماع على حجية السنة كثير من العلماء، منهم الإمام الشافعي (204هـ) رحمه الله إذْ قال: (ولا أعلم من الصَّحابة ولا التَّابعين أحدا أخبر عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلَّا قبل خَبره وانتهى إِليه، وأثبت ذلك سنة)[6].   ♦ وفيها دليل على أنَّ السنة وحيٌ من الله جلَّ وعلا، وأنَّه لا سبيل إلى فَهم القرآن إلا بها، فهي المفسرة والشارحة والمقيدة له، وهي تزيد عليه في الأحكام، إذًا لن يصل أحدٌ إلى الله إلا عن طريق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.   لذلك ما نراه من المبتدعة القرآنيين وأضرابهم من الفرق الضالة والمشككين في رد السنة تارة، وتشكيك بها تارة أخرى إنمَّا هي محاولات لإبطال دين الله جلَّ وعلا، ولكن الله متم لنوره ولو كره المشككون.   وما هذا التشكيك الذي يشنُّ على الحديث الشريف من قِبل من لا خلاق لهم في الدين والعلم إلا تشكيك في السنة وصاحبها؛ لكي يسعوا لمحاربة وإبطال الدين، فالناس إذا فقدت الثقة بالسنة تركت العمل بها، وإذا تركت العمل بها تركت الدين.


[1] أخرجه: ابن أبي شيبة (24330)، وأحمد (17174)، واللفظ له، والدارمي (606)، وابن ماجه (12)،
وأبو داود (4604)، والترمذي (2664)، والمروزي في السنة (244)، والطحاوي في شرح معاني الآثار(6410)، والآجري في الشريعة(97)، والطبراني في الكبير(650)، وفي مسند الشاميين؛ له (1061)، والدارقطني في السنن(4667)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2343)، والبيهقي في الكبرى(13442)، وفي دلائل النبوة؛ له 6 /549 وابن بطه في الإبانة (63)، والخطيب في الفقيه والمتفقه 1 /262، والحديث حسَّنه الترمذي (2663)، و(2664)، وصححه ابن حبان (12)، والحاكم (371)، وله شواهدٌ عدَّة. [2] أخرجه: أحمد (23861)، والبخاري في التأريخ الكبير 7 /288، وابن ماجه (13)، وأبو داود (4605)، واللفظ له، والترمذي (2663)، والروياني (716)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (6412)، والآجري في الشريعة (94)، والطبراني في الأوسط (8844)، وفي الكبير؛ له (934)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (98)، وابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله (2342)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (50)، وفي الكبرى؛ له (13441)، وابن بطة في الإبانة (60)، وحسنه الترمذي (2663)، وصححه ابن حبان (13)، والحاكم (368)، قلت: وقد اختلف في إسناده وصلًا وإرسالًا، ورجَّح الحافظ الدارقطني في العلل (1172) رواية الوصل. [3] مرقاة المفاتيح1 /247. [4] أخرجه: الدارمي (608)، وأبو داود في المراسيل (536)، والمروزي في السنة (102)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (99)، وابن بطة في الإبانة (90)، والخطيب في الفقيه والمتفقة 1 /266. [5] مجموع الفتاوى 19 /86. [6] مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة؛ للسيوطي: 34.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣