أرشيف المقالات

نهضة الشباب. . .

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 نهضة الشباب اليوم إحدى الظواهر المميزة لهذا الجيل.
وهي أجلى ما تكون في الأمم المظلومة أو المهددة بالظلم.
كأنما أخفق في سياستها (رأي) الشيوخ، فصمد إلى قيادتها (عزم) الشباب! والواقع أن هذه النخوة القدسية التي تعصف برؤوس الفتيان في إيطاليا وألمانيا وسورية ومصر، إنما هي القارعة التي تُصمُّ والظاهرة التي تخيف، لأن الشباب إذا كان لهم الصف الأول في الحرب، فان لهم الصف الأخير في السلم، فإذا ألجأهم تقلب الصروف إلى تقدم الصفوف، دل ذلك على سياسة عاجزة، أو سِلْمٍ مرببة، أو خطر محدق.
وعجز السياسة اتهام لحنكة السن، ورياء السلم إيذان بصراحة الحرب، وتفارُس الأهواء إعلان بنزول الغاشية.
فا (لفاشيَّة) و (النازية) و (عصبة العمل القومي) و (عيد الوطن الاقتصادي) وغيرها من حركات الشباب وثبات دفاعية بعثتها لإنسانية المهددة بالتفكك والفوضى والهوان والاستعباد والجشع.
ولئن كان لكل دولة من هذه الدول، علة أو أكثر من هذه العلل، فان مصر البائسة تكابد هذه النكبات جميعا! فأخلاقها تفككها الحزبية الأثِرَة، وآراؤها تشتتها المطامع الخسيسة، وكرامتها تهينها الامتيازات الباغية، وقوميتها توهنها الأجنبية الموغلة، وحريتها تقيدها القوة المحتلة، وأرزاقها تسلبها (الضيافة) الثقيلة، وأبناؤها (الكرماء) القانعون الخانعون قد ألفوا مضاجع الهون فلا تؤذيهم الفضاضة، ولا تؤلمهم الخصاصة، ولا يبغون حِوَلا عن هذه الحال! ولكن الشباب، وإن أعدهم هذا الحاضر الذليل، قد أعانتهم خصائص الفتوة، وغرائز الفطرة، على أن يدركوا ما نحن فيه من ضراعة الجانب، ووضاعة الشأن، وضيق المضطرب، فهبوا يُعِزُّون النفوس الذليلة، ويمنعون الحوزة المباحة، ويستردون الثروة المضاعة، ويمهدون لهذا البلد العاني طريق الاستقلال الخالص السعيد! ومَن أحقُّ بحماية الوطن وإعزازه من الشباب؟! انهم يعيشون للغد وآباؤهم يعيشون لليوم.
فهم يحرصون على المستقبل ويجعلون الحاضر رأس مال، وأولئك يحرصون على الحاضر ويعدون المستقبل تركة! وشتان بين من يعمل لنفسه عن حاجة وبين من يعمل لغيره عن عاطفة. لقد كان شبابنا ومازالوا أُغرودة الأمل الباسم في فم وادينا الجميل، وسر النشاط الدافق في روح نهضتنا المرجوة، حملوا وما زالو يحملون لواء الغضبة المقدسة في وجه الدخيل العادي وغسلوا وما زالوا يغسلون أدران الماضي بالعرق الطهور والدم الغالي، ثم رأوا أن مصر المنكودة إنما يقف في طريق حياتها الطبيعية احتلالان لا احتلال واحد: احتلال سياسي يحتل الثكنات ويخادع الحكومة ويغل الحرية ويهين الحق ويؤذي الكرامة، واحتلال اقتصادي يحتل المدائن ويغزو القرى ويأكل الأرض، ويشرب النيل، ويحتكر التجارة، ويجلب الخمور، ويهرب المخدرات، ويتكسب بالمنكرات، ويفتك بالجيوب، ويلغُ في الأعراض، ويعبث بالمدين، ويحلُّ على الجملة في سبيل المغنم ما حرمته الشرائع والضمائر والعُرف، ثم يتبجح بعد ذلك كله بأنه القيم على المدنية والحرية والعدالة، يبذرها في طريقه، وينشرها في مجلسه، ويمثلها في نفسه! فإذا قلت في رقة المغازل لهذا الضيف المُدلَّل أن ما تعمله يناقض ما تقوله، تجهمت (امتيازات) الدول وَتَزَغَّمت (تحفظات) الإنجليز!! رأى شبابنا أن جهاد هذين الاحتلالين أمر لا يتحقق خلاصنا بدونه، وأن قَصْر الجهود على أحد الميدانين يمكِّن الحليفين من حشد كل القوى في ذلك الميدان، فأرهفوا النشاط، وارصدوا الأُهبَةَ، ولاقوا الواغل في كل طريق.
ليس بسبيلنا اليوم أن نعرض فيالق الشباب في مختلف الميادين، فقد أشرنا إلى ذلك في كلمة سابقة، إنما نريد أن نسجل في ثبت المجاهدين فيلقا جديدا جاء يؤكد مرة أخرى أن هذه الأمة الكريمة قد قطعت عزمها على أن تعيش في أرضها حرة وفي ملكها سيدة، ذلك الفيلق هو جماعة عيد الوطن الاقتصادي، وهم فريق من الطلاب العاملين المخلصين البررة، حمَّلوا نفوسهم الرقيقة فوق تكاليف الدرس أعباء الدعاية للتجارة المصرية والمنتجات الوطنية، فهم يُعرضون عن مطالب الصِّبَي، ويصدفون عن مباهج العيش، ويعقلون جهودهم وميولهم في مكاتب العمل من نادي اتحاد الجامعة: يعلنون بالوسائل المختلفة إن المشروع الذي يعدونه، ويدعون إخوانهم إلى التطوع في الجيش الذي يحشدونه، ويتصلون بالتجار ليقنعوهم بالاشتراك في الدليل الذي يصدرونه، ويجمعون الأُهَبَ للمهرجان الفخم الذي يهيئونه، ويزورون المصانع والمتاجر ليحققوا الوجه الذي يقصدونه، ويعانون في سبيل ذلك رهقاً شديداً في النفس والمال والكرامة، أجل أقول والكرامة! لأن كثيراً من تجارنا لا يزالون يتعاطون التجارة على منهج دارس، وطبع ألَفَّ، فهم يتهمون الناصح، ويستغشون المشير، وينكرون التطور ويجهلون الأعلان، ويعتمدون في جلب الحرفاء ورواج السلع على التمائم والأدعية!!. يكون عيد الوطن الاقتصادي يوم دعاية وإعلان وعرض، وسيقدم للممارين الأدلة التي تصك الأسماع وتطرف العيون على أن مصر الناهضة تسير في طريق مأمونة إلى غاية مضمونة! فمساهمة الشباب بالتطوع، وانضواء التجار بالاشتراك وعطف الجمهور عليه بالتأييد، ضمان للنصر المبين في إحدى المعارك الفاصلة.
إن القبعات في الطرقات، اكثر وأخطر منها في الثكنات، واليوم الذي لا ترى فيه على الرؤوس غير الطربوش، ولا تقرأ على جباه الحوانيت الا العربية، ولا تسمع في مختلف المعامل غير اللهجة المصرية، هو اليوم الذي تقول فيه وأنت صادق: لقد صفا النيل، وملك الأصيل، واستقلت مصر!! أحمد حسن الزيات

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٣