أرشيف المقالات

ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق

مدة قراءة المادة : 17 دقائق .
2ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، اللهم إنا نسألُك من فجأة الخير، ونعوذ بك من فجأة الشر.   شاع في الدنيا اليومَ أن يقتل الإنسان أخاه الإنسان، لا لأنه هو القاتل، ولكن لكونه أخَا القاتل، أو أباه، أو ابنه، أو ابن عمه، أو واحدًا من عشيرته، فشاع قتل الإنسان بجَرِيرةِ غيرِه، وقد نص القرآن الذي أُنزِل علينا قبل أربعة عشر قرنًا: ﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [النجم: 38].   وهذه من عاداتِ الجاهليَّة التي ما تزالُ طائفةٌ من الناس تأخذُ بها، وقد بيَّن لنا الإسلام أنه لا يستحقُّ القتلَ إلا ثلاثةٌ: القاتل بغير حق، والمُحصَن الزاني، والمُرتَد عن دينه، فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة))؛ رواه أبو داود والنسائي.   وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يحلُّ دم مسلم إلا بإحدى ثلاث خصالٍ: زانٍ مُحصَن يُرجَم، ورجل قتل متعمِّدًا فيُقتَل، ورجل يخرج من الإسلام وحارب الله ورسوله، فيقتل أو يُصلَب أو يُنفَى من الأرض)).   إذا أردتَ أن تأخذ حقًّك كاملاً ممَّن ظلمك، فلك أن تَرُدَّ عليه بالمثل، فتسبه كما سبك، وتَرْكُله كما رَكَلك، وتلطمه كما لطمك، فإذا زدتَ على ذلك تصبح بهذه الزيادة عند الله معتدِيًا بعد أن كنتَ معتدًى عليك، وإذا عفوتَ وصبرت، فهو خير لك، أما إذا بلغت الزيادة إلى القتل، فتكون قد ارتكبت جريمة تعدُّ من أعظم الجرائم على الإطلاق.   عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أول ما يُقضَى بين الناس يوم القيامة في الدماء))؛ رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.   وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اجتَنِبوا السبع الموبقات))، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسِّحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الرِّبا، والتولِّي يوم الزَّحف، وقذفُ المحصنات الغافلات المؤمنات))؛ رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.   وعن أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا أصبح إبليس، بثَّ جنوده وفرَّقهم ونشَرهم في أنحاء الأرض، فيقول: مَن أخذل اليوم مسلمًا، ألبستُه التاج، قال: فيجيء هذا (فيجيء أحد الشياطين إلى إبليس) يقول: لم أزل به (أحث الرجل المسلم على طلاق زوجته) حتى طلَّق امرأته، فيقول (إبليس مستصغرًا عمله): يوشك أن يتزوَّج من أخرى، ويجيء هذا (ويجيء شيطان آخر) فيقول: لم أزل به حتى عقَّ والدَيْه (فآذاهما وأساء إليهما)، فيقول: يُوشِك أن يبرَّهما (ويحسن إليهما)، ويجيء هذا (ويجيء شيطان ثالث) فيقول: لم أزل به (بالرجل المسلم) حتى أشرك، فيقول: أنت أنت (معظِّمًا فعله)، ويجيء هذا (ويجيء شيطان رابع) فيقول (لإبليس): لم أزل به (لم أزل بالرجل المسلم أحثه على قتل أخيه المسلم)، حتى قتل (وسفك دمًا حرامًا)، فيقولُ (معظِّمًا عمله)، أنت أنت، ويُلبِسه التَّاج))؛ رواه ابن حبان في صحيحه.   وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: "إن من وَرَطَاتِ الأُمور التي لا مخرجَ (ولا مخلص ولا منجى منها) لمن أوقع نفسَه فيها: سفكَ الدمِ الحرام بغير حلِّه (وحقه)"؛ رواه البخاري، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما.   وأعظمُ هذه الورطات أن يقتُلَ الرجلُ رجلاً مسلمًا مؤمنًا بالله بغير حقٍّ، أو يقتله لسبب لا يوجب القتل، روى ابن ماجه عن عبدالله بن عمرو قال: رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالكعبةِ (في حجَّة الوداع أو في عمرة القضاء، مخاطبًا الكعبة التي هي أعظم شعائر المسلمين)، ويقول: ((ما أطيبَكِ وما أطيبَ ريحَكِ، وما أعظمَكِ وما أعظمَ حرمتَكِ! والذي نفس محمَّدٍ بيده، لحرمةُ المؤمن عند الله أعظم من حرمتكِ؛ مالِه ودمِه)).   وروى البيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قُتِل بالمدينة قتيلٌ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يُعلَم مَن قتله، فصعِد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المنبر، فقال: ((يا أيها الناس، يُقتَل قتيلٌ وأنا فيكم ولا يعلم من قتله؟! لو اجتمع أهل السماء والأرض على قتل امرئٍ (يعني مؤمن)، لعذَّبهم الله، إلا أن يفعل ما يشاء)).   وروى الطبراني في الصغير من حديث أبي بكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على قتلِ مسلمٍ، لكبَّهم الله جميعًا على وجوههم في النار)).   وعن أبي سعيد وأبي هريرة - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن، لأكبَّهم الله في النار))؛ رواه الترمذي، وقال: حسن غريب.   وفي رواية لابن ماجه: ((ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتَرَكوا في دم مؤمن، لأدخلهم الله النار)).   قال محقق الترغيب محمد خليل هراس: "قال ابن العربي: وثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق، والوعيد في ذلك، فكيف بقتلِ الآدمي، فكيف بالمسلم، فكيف بالتقي الصالح؟!.   وقال العزيزي في شرح الجامع الصغير: فهو أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله.   وقال الحفني: فمَن قتل مسلمًا، يُعذَّب عذابًا أشد ممن أزال الدنيا لو فُرِض ذلك"؛ ذلك لعظم مكانة المسلم والمؤمن عند الله، فعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لَزوالُ الدنيا أهونُ عند الله من قتلِ رجلٍ مسلم))؛ رواه مسلم، والنسائي، والترمذي، مرفوعًا وموقوفًا.   وعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لزوال الدنيا (خرابها وفناؤها كلها) أهونُ على الله (وأيسر وأخف عنده) من قتلِ مؤمن بغير حق))؛ رواه ابن ماجه بإسناد حسن.   وروى النسائي والبيهقي من حديث بُرَيدة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قتلُ المؤمنِ أعظم عند الله من زوال الدنيا)).   والمعنى: أن الله - سبحانه - يغضب لقتل المؤمن أشد مما يغضب لزوال الدنيا.   وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن قتل مؤمنًا فاغتَبَط (وفرِح) بقتلِه، لم يقبَلِ اللهُ منه صرفًا ولا عدلاً))؛ رواه أبو داود؛ أي: لا يقبَل الله منه توبةً ولا فدية، وقيل المعنى: لا يقبَلُ الله منه فريضةً ولا نافلة.   وعن أبي الدَّرداءِ - رضي الله عنه - قال: سمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((كل ذنبٍ عسى الله أن يغفِرَه، إلا الرجل يموت مشركًا أو يقتُلَ متعمِّدًا))؛ رواه أبو داود، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.   وذكر ابن كثير في تفسير قوله: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 93]:   وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، لمَن تعاطى هذا الذَّنب العظيم، الذي هو مقرونٌ بالشرك بالله في غير ما آيةٍ في كتاب الله؛ حيث يقول - تعالى - في سورة الفرقان: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ [الفرقان: 68].   والآيات والأحاديث في تحريمِ القتل كثيرة جدًّا، وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا، وقال البخاري: حدَّثنا آدم، حدَّثنا شعبة، حدَّثنا المغيرة بن النعمان، قال: سمعتُ ابن جُبَيرٍ، قال: اختَلف فيها (في هذه الآية) أهل الكوفة، (أي: اختلفوا في قاتل المؤمن، أله توبة أم لا؟)، قال: فرحلتُ إلى ابن عباس فسألتُه عنها، فقال: نزلت هذه الآية ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾، هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء.   وعن سعيد بن جبير أيضًا قال: سألتُ ابن عباس عن قولِه - تعالى -: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾، قال:...
فجزاؤُه جهنَّم ولا توبة له، فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: إلا مَن ندِم...
وعن سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعدما كُفَّ بصرُه، فأتاه رجل فناداه: يا عبدالله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: جزاؤه جهنم خالدًا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا، قال: أفرأيتَ إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أُمُّه وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده، لقد سمعت نبيَّكم - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((ثكلته أمُّه قاتل مؤمن متعمدًا))...
يأتي المقتول متعلقًا بإحدى يديه مُتَلَبِّبًا قاتِلَه بيده الأخرى؛ (أي: يجيء المقتول يوم القيامة وقد أخذ وقبض قاتله بيد، وحمل رأسه باليد الأخرى) تشخُبُ أوداجُه (تسيل عروق عنق المقتول) دمًا، حتى يأتي به (حتى يأتي بقاتله) العرش، فيقول المقتول لرب العالمين: هذا قتَلَني، وفي رواية يقول المقتول: يا ربِّ، سل هذا فيمَ قتلني؟ فيقول الله - عز وجل - للقاتل: تعستَ، ويُذهَب به إلى النار؛ رواه الترمذي، وحسنه، والطبراني في الأوسط، وفي رواية أخرى قال: ((فيهوي في النار سبعين خريفًا))؛ وكذلك رواه النسائي.   وممَّن ذهب أنه لا توبةَ له من السلف: زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبدالله بن عمرو، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم، مستندِينَ في ذلك إلى أحاديثَ كثيرة؛ منها الحديث المتقدم ذكره: ((يجيء المقتول متعلقًا بقاتله يوم القيامة))، ومنها: قال الإمام أحمد:...
عن أبي إدريس قال: سمِعْتُ معاوية - رضي الله عنه - يقول: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((كل ذنب عسى الله أن يغفرَه إلا الرجل يموتُ كافرًا أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمِّدًا))، وقد مر مثل هذا الحديث.   والذي عليه الجمهور من سلف الأُمِّة وخلفِها أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله - عز وجل - فإن تاب وخشع وخضع وعمل عملاً صالحًا، بدَّلَ الله سيِّئاته حسناتٍ، وعوَّض المقتول من ظُلامَتِه وأرضاه، إلا أنه يشترط في التوبة أن تكون صادقة نصوحًا، ومع ذلك فإن للمقتول على قاتله حقَّينِ: حقًّا في الدنيا، وحقًّا آخرَ يوم القيامة؛ فأما حقُّه عليه في الدنيا، فيُطالِب به أهلُه وذَوُوه، ويكون ذلك إما بقتل القاتل، أو بدفع دية مغلَّظة ثلاثة أضعاف، وبأن يدفع هذه الدِّيَة القاتلُ نفسُه لا عشيرته، هذا إن قبِل وليُّ أمر المقتول بدفع الدية بدلاً من القتل، قال الله - تعالى -: ﴿ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾ [الإسراء: 33].   وقوله - تعالى -: ﴿ فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ﴾؛ يعني أنه لا يجوز لوليِّ أمر المقتول أن يُمثِّل بالقاتل بعد قتله، أو أن يقتل غير القاتل؛ كأن يقتل ابنه، أو أباه، أو أخاه، أو ابن عمه.   وأما مطالبةُ المقتول القاتلَ يوم القيامة، فإنه حقٌّ من حقوق الآدَميين، فحتى إذا تاب القاتلُ وتاب اللهُ عنه، فإن من حقِّ المقتول يوم القيامة أن يقبِضَ على القاتل ويأتِيَ به تحت العرش ويُقدِّمَه للمحكمة الإلهية، ويخاطب المقتولُ اللهَ - سبحانه وتعالى -: ربِّ، سل هذا لِمَ قتلني؟ فإن كان القاتل قد تاب توبة صادقة، وتاب الله عليه، فإنَّ الله - سبحانه - يفصِلُ بينهما بأن يُعطِيَ القاتلُ للمقتولِ من حسناته وأعماله الصالحة؛ حتى يوفِّيَ المقتولَ حقَّه، ثم يدخل القاتل الجنة بما فضل وبقي عنده من حسنات، فإذا لم توفِّ وتكفِ حسناتُ القاتل حقَّ المقتول، يُعوِّض الله المقتولَ بما يشاء من فضلِه من قصور الجنة ونعيمِها، ورفع درجته فيها، ونحو ذلك.   ذلك أن من رحمة الله ووفائه بما وعَد به التائبين أن يعفوَ الله عن القاتل ولا يدخله النار؛ لأنه تاب وآمن وعمل صالحًا، ومات على ذلك، لكنه - سبحانه وتعالى - من عدالتِه أنه إذا كان يعفو عن حقوقه سبحانه، فإنه لا يعفو عن حقوق عباده، فهذا المقتول له حق على قاتله، فيعطي الله المقتول حقَّه، بأن يأخذ من حسنات القاتل، فإذا فنيت حسناتُه قبل أن يُوفِّيَ حقَّه ولم تبقَ عنده من حسنات إلا الحد الأدنى منها ليدخل بها الجنة، فالله - سبحانه - عندئذٍ يُرضِي المقتول.   تذكُرُ كتب تاريخ الأدب أنه حين استعرت الحرب بين عزِّ الدولة وابن عمه عَضُدِ الدولة، ظفر عضد الدولة بوزيره عز الدولة أبي طاهر محمد بن تقية، فطرحه للفِيَلَة فقتله، ثم صلبه عند داره بباب الطاق، وعمرُه نيِّف وخمسون سنة، ولما صُلب رثاه أبو الحسن محمد بن عمران يعقوب الأنباري (ت 328هـ) أحد العدول ببغداد بقصيدة، مطلعها: عُلُوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ لَحقٌّ تلك إحدى المعجزاتِ   وهذه القصيدة تعد من أعظم المراثي، ولم يسمع بمثلها عن مصلوب، حتى إن عضد الدولة الذي صلبه تمنَّى لو كان هو المصلوب وقِيلتْ فيه.   هذه الرواية الأدبية التي حصلت في الدنيا تذكِّرني بالمشهد الأُخروي حين يقف القاتل والمقتول ليحكمَ الله بينهما، وكيف أن المقتول يأخذ من القاتل أفضل أعماله حتى يكاد يُفلِسُه من حسناتِه، ولا يفوز من الجنة إلا بالحد الأدنى من درجاتِها، وكيف أن الله - سبحانه - يُثنِي على المقتول، ويرفع من شأنه ودرجاته، حتى يُخيِّرَه الله أن يأخذ من قصور الجنة ونعيمِها وحواريها ما شاء؛ من أجل أن يرضى المقتول ويعفو عمَّا بقي له من حق على قاتله.   أقول وأنا أتذكر هذا الموقف من مواقف يوم القيامة: إنه ربَّما تمنَّى القاتل في هذا الموقف العظيم لو كان هو المقتول؛ ليفوز اليوم بما فاز به المقتول.   اللهم لا تُمِتْنا قاتلين أو ظالمين، ونجِّنا من فتنة الدنيا، واقبِضْنا إليك غير مفتونين، اللهم آمين!



شارك الخبر

المرئيات-١