أرشيف المقالات

الصيام والغيبة

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
2الصيام والغيبة
فقد أخرج الأصبهاني بسند فيه مقال من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل ليُؤتى كتابه منشورًا، فيقول: يا رب، فأين حسنات كذا وكذا عملتها ليست في صحيفتي؟ فيقول له رب العزة: محيت باغتيابك الناس)).   وإن كان الحديث فيه مقال، إلا أنه له أصل في الشريعة، ويشهد له بعض الآثار الصحيحة، والتي تدل على أن الغِيبة تؤثر على عبادة العبد، كعبادة الصيام مثلاً.   • فقد ذكر ابن حزم رحمه الله في كتابه "المُحلَّى" (6 /179): "عن حفصة بنت سيرين قالت: الصيام جُنَّة، ما لم يخرقها صاحبها، وخَرْقُها الغِيبةُ".   • وجاء في كتاب "الزهد" لهناد عن أبي العالية قال: "الصائم في عبادة ما لم يغتب، وإن كان نائمًا على فراشه".   • وجاء في كتاب "الزهد" لهناد (رقم: 1203) عن مجاهد رحمه الله قال: "مَن أحبَّ أن يسلم له صومه، فليجتنب الغِيبة والكذب".   فالسلف الصالح كانوا يعلمون أن الغِيبة وغيرها من المعاصي تؤثر على عبادة الصيام؛ فقد أخرج الإمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي شيبة في "مصنفه" عن أبي المتوكل الناجي قال: "كان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا، جلسوا في المسجد، قالوا: نطهر صيامنا".   • وذكر ابن حزم في "المحلى"(6 /179) عن طليق بن قيس قال: قال أبو ذر رضي الله عنه: "إذا صمت فتحفَّظ ما استطعت"، فكان طليق إذا كان يوم صيامه دخل فلم يخرج إلا إلى الصلاة.   • وقال بعضهم: إذا لم يكن في السمع مني تصوُّنٌ وفي بصري غض، وفي منطقي صَمْتُ فحظي إذًا من صوميَ الجوعُ والظَّمَا وإن قلت إني صمت يومًا فما صُمْتُ   تنبيه: ذهب بعض أهل العلم كالأوزاعي وابن حزم وغيرهما إلى: أن الغِيبة تبطل الصيام. • وقد نقل الإمام النووي في "المجموع" (6 /398): عن الأوزاعي رحمه الله قال: "يبطل الصوم بالغِيبة، ويجب قضاؤه".   • وقال ابن حزم رحمه الله في كتابه "المحلى" (6 /177): "ويُبطِلُ الصوم - أيضًا - تعمُّدُ كل معصية إذا فعلها عامدًا ذاكرًا لصومه؛ كمباشرة مَن لا يحل له..." إلى أن قال: "أو كذب، أو غيبة، أو نميمة، أو تعمُّد ترك صلاة أو ظلم...
أو غير ذلك من كل ما حرُم على المرء فِعلُه".   وقد استدل هذا الفريق بجملة من الأدلة؛ منها: • ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث[1] ولا يصخب[2]، ولا يجهل...)).   • وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن لم يَدَعْ قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجة في أن يَدَعَ طعامه وشرابه)).   • قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "الفتح": "إن هذه المعاصي يزيد قبحها في الصيام على غيرها، وإنها تخدش في سلامة الصيام، بل ربما اقتضت عدم الثواب عليه".   واستدلوا كذلك بما أخرجه ابن ماجه، والطبراني في "الكبير" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع))، وفي رواية الإمام أحمد: ((رب صائم حظُّه من صيامه الجوع والعطش))؛ (صحيح الجامع: 3490).   واستدلوا كذلك بحديث ضعيف رواه الإمام أحمد، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على امرأتين صائمتين تغتابان الناس، فقال لهما: ((قيئا))، فقاءتا قيحًا، ودمًا، ولحمًا عبيطًا، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((ها، إن هاتين صامتا عن الحلال، وأفطرتا على الحرام))؛ (أشار المنذري في "الترغيب" (3 /507) إلى ضعفه).   • وقال أنس رضي الله عنه: "إذا اغتاب الصائم أفطر" (رواه ابن أبي عاصم في الزهد رقم: 121).   • وعن مجاهد قال: "ما أصاب الصائم شوًى[3] إلا الغِيبة والكذب".   • وفي رواية: "كلُّ ما أصاب الصائم شوًى إلا الغِيبة والكذب، فهما له كالمقتل".   والراجح أن الغِيبة لا تبطل الصيام، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.   • قال النووي رحمه الله كما في "المجموع" (6 /398): "...
فلو اغتاب في صومه عصى، ولم يبطل صومه عندنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا الأوزاعي...، ثم قال: وأجاب أصحابنا عن الأحاديث السابقة بأن المراد أن كمال الصيام وفضيلته المطلوبة إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرديء، لا أن الصوم يبطل به".
اهـ بتصرف واختصار.


[1] الرفث: الكلام الفاحش. [2] الصخب: الخصام والصياح. [3] الشوى: قال يحيى بن سعيد: الشوى هو: الشيء اليسير الهين، قال: وهذا وجهه، وإياه أراد مجاهد، ولكن الأصل في الشوى الأطراف، وأراد أن الشوى ليس بمقتل، وأن كل شيء أصابه الصائم لا يبطل صومه، ولا يكون كالمقتل له، إلا الغِيبة والكذب، فإنهما يبطلان الصوم، فهما كالمقتل له"؛ (أفاده العلامة أحمد شاكر في "حاشية المحلى": 6 /179).



شارك الخبر

مشكاة أسفل ٣