أرشيف المقالات

من قذف امرأته ولم يكن له شهداء

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
2من قذف امرأته ولم يكن له شهداء
من قذف امرأته ولم يكن له شهداء، فإنهما يتلاعنان ثم يُفرَّق بينهما: أ- فقد أخرج البخاري عن ابن شهاب: "أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عُوَيْمِرًا العَجْلانيَّ جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري، فقال له: يا عاصم، أرأيتَ رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ سَل لي يا عاصمُ عن ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عاصمٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فكره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسائل، وعابَها حتى كَبُرَ على عاصم ما سَمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع عاصمٌ إلى أهله جاءه عويمر، فقال: يا عاصم، ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عاصمٌ لعويمر: لَم تأتني بخير؛ قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها! فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها!   فأقبل عويمر حتى جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وسطَ الناس، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد أنزل الله فيك وفي صاحبتِك، فاذهب فأتِ بها))، قال سهل: فتَلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغا من تلاعنهما، قال عويمر: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتُها، فطلَّقَها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن شهاب: فكانت سُنَّةَ المتلاعِنَين".   ب- وأخرج البخاري ومسلم عن سعيد بن جبير قال: "سُئِلْتُ عن المتلاعِنَيْنِ في إمرة مصعب، أَيُفَرَّقُ بينهما؟ قال: فما دريتُ ما أقول، فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكة، فقلتُ للغلام: استأذن لي، قال: إنه قائل[1]، فسمع صوتي.
قال: ابن جبير؟ قلت: نعم، قال: ادخل؛ فوالله ما جاء بك هذه الساعة إلا حاجة! فدخلت فإذا هو مفترشٌ بَرْذَعة، مُتَوَسِّد وسادة حَشْوَها ليف، قلت: أبا عبدالرحمن، المُتلاعنان.
أَيُفَرَّقُ بينما؟ قال: سبحان الله! نعم.
إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان؛ قال: يا رسول الله، أرأيت أنْ لو وجد أحدُنا امرأته على فاحشةٍ، كيف يصنع؟ إن تكلَّم تكلَّم بأمر عظيم، وإن سكتَ سكتَ على مثل ذلك، قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُجبه.   فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتُك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [النور: 6-7]، فتلاهن عليه ووعظه وذكَّره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، قال: لا والذي بعثك بالحق! ما كذبتُ عليها، ثم دعاها فوعظها وذكَّرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة.
قالت: لا والذي بعثك بالحق! إنه لكاذب.
فبدأ بالرجل فشهد أربع شهاداتٍ بالله إنه لمن الصادقين.
والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثَنَّى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لم الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرَّق بينهما".   جـ- وأخرج البخاري عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "أن رجلاً من الأنصار قذف امرأته فأحلَفَهُما النبي صلى الله عليه وسلم ثم فرَّق بينهما".   د- وأخرج الإمام أحد أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما نزلَت: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 4]، قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا نزلَت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر الأنصار، ألا تسمَعون إلى ما يقول سيدكم؟)) قالوا: يا رسول الله لا تَلُمه؛ فإنه رجلٌ غيورٌ، والله ما تزوَّج امرأة قطُّ إلا بكرًا، وما طلَّق امرأة له قط فاجتَرأ رجلٌ منا على أن يتزوجها من شدة غيرته! فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنَّها حق، وأنها من الله تعالى، ولكني قد تعَجَّبْت أني لو وجدت لُكَاعًا[2] تفخَّذَها رجلٌ لم يكن لي أن أُهَيِّجَه[3]، ولا أُحرِّكه حتى آتي بأربعة شهداء! فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته.   قالوا: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أميَّة - وهو أحد الثلاثة الذين تِيبَ عليهم - فجاء من أرضه عِشاء فوجد عند أهلِه رجلاً فرأى بعينَيه، وسمع بأُذنيه، فلم يُهَيِّجْه حتى أصبح فغَدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء فوجدتُ عندها رجلاً، فرأيت بعيني وسمعتُ بأذني! فكَرِه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به، واشتدَّ عليه، واجتمعَت الأنصار، فقالوا: قد ابتُلينا بمـا قال سعد بن عبادة! الآن يضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هلالَ بن أمية، ويُبْطِل شهادته في المسلمين، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي مِنها مخرجًا، فقال هلال: يا رسول الله، إني قد أرى ما اشتد عليك ممَّا جئت به، والله يعلم إني لصادق.   والله إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه؛ إذ أنزَل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي - وكان إذا نزل عليه الوحيُ عرَفوا ذلك في ترَبُّد[4] جلده - يعني: فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلَت: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ...
[النور: 6] الآية، فسُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [5] فقال: ((أبشر يا هلال؛ فـقـد جعل الله لك فرجـًا ومخرجـًا))، فقال هلال: قد كنتُ أرجو ذاك من ربي عز وجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرسلوا إليها)) فأرسَلُوا إليها فجاءت، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما وذكَّرَهُما، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها فقالت: كَذَب، فقال رسول الله: ((لاعِنُوا بينهما)).   فقيل لهلال: اشهد، فشَهِد أربع شهادات بالله إنه لَمِنَ الصادقين، فلمَّا كان في الخامسة قيل: يا هلال اتَّقِ الله؛ فإن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب.
فقال: والله لا يُعَذِّبُني الله عليها كما لم يَجلِدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فلما كانت الخامسة، قيل لها: اتَّقِي الله؛ فإن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب.
فتلكَّأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي! فشهدَت في الخامسة أن غضب الله عليه إن كان من الصادقين.   ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى أنه لا يُدْعَى ولدها لأب، ولا تُرمَى هي به، ولا يُرمَى ولدها، ومَن رَماها أو رَمى ولدها فعليه الحدُّ، وقضى أن لا بَيتَ لها عليه، ولا قُوتَ من أجل أنهما يتفرَّقان من غير طلاق، ولا مُتَوفًّى عنها، وقال: ((إن جاءت به أُصَيْهِبَ[6] أرَيْسِحَ[7] حَمْشَ[8] الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أَوْرَق[9] جَعْدًا[10] جُمَاليًّا[11] خَدَلَّجَ [12] الساقين سابغ الإليتين، فهو للذي رُميَت به))، فجاءت به أورقَ جَعْدًا جُمَاليًّا خَدَلَّجَ الساقين سابغ الأليتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لولا الأَيْمانُ لكان لي ولها شأن))! قال عكرمة: فكان بعدَ ذلك أميرًا على مصر، وكان يُدْعَى لأُمِّه، وما يدعى لأبيه".


[1] قائل: من القيلولة، وهي الاستراحة وسط النهار. [2] اللُّكاع: بضم اللام وفتح الكاف: العبد، ثم استعمل في الحمق والذم. [3] أهيِّجه: أزعجه وأنفِّره. [4] ترَبُّد جلده: تغيَّر إلى الغبرة.
[5] فسري عن رسول الله: كُشف عنه وأزيلَ ما كان به من التغير. [6] أُصَيهب: هو الذي يعلو لونه صُهبة. [7] أرَيْسِحَ: تصغير أرسح: وهو الذي لا عجز له، أو هي صغيرة لاصقة بالظهر. [8] حمش الساقين: أي رقيق الساقين. [9] أورَق: أسمر. [10] جَعْد الشعر: أي ليس سبط الشعر (يعني شعره ليس مسترسلاً). [11] جماليًا: الضخم الأعضاء التام الأوصال. [12] خدَلَّج الساقين: عظيم الساقين.



شارك الخبر

مشكاة أسفل ٣