أرشيف المقالات

إلى الشباب

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 حول الديمقراطية أيضاً لأستاذ كبير لست أدري والله أي يومي (الرسالة) أمجد وأعلى، أهو الأمس وقد قصدت إلى عالي الأدب تنشره.
وسامي المثل تضربه؟ أم هو اليوم وقد ضمت إلى ذلك مناجاتها لشباب البلاد وتوجهها إليهم لتحاورهم فيما يمس حياتهم، ولتلتمس معهم سبيل الهداية إلى ما هو أحرى بالقصد وأجدى على الوطن؟ ولقد أصاب مقالها الأخير في الديمقراطية مكاناً من النفس هز أوتارها، فإننا في أول عهدنا بحكم أنفسنا كما تقول وقد تشعبت أمامنا السبل ونشطت الآمال من عقالها؛ ولابد لنا من أن نسترشد في هذا العصر بالعقل الرزين والمنطق المتين، كما لابد لها أن نستلهم الشرف والوطنية، وأن ننأى عن كل مضنات الخطأ أو الإسفاف.
وليس أحق من الرسالة بأن تلج هذه المعاني وتعالجها معالجة صريحة قويمة؛ وليس أحق من شباب البلاد بأن يرمي في هذا الحوار بسهمه ويدلي بدلوه، فإن المستقبل للشباب، ومصير البلاد آيل إليهم بعد حين؛ وما يكون اليوم خطأ يكون عليهم في المستقبل حملاً ثقيلاً، بل ربما يكون في سبيلهم عقبة لا يطيقونها ولا يقومون على تذليلها إلا بتضحيات ومشقات.
فإذا نحن قلنا إن مصلحة البلاد في توخي هذه السبيل أو تلك فإن الشباب أول من يعنيه هذا القول، وينبغي لهم أن يكونوا أول المصريين اهتماماً للبحث وسعياً وراء المصلحة، لأنهم الذين سيجنون ثمار الخير إن كان خير، أو يحملون أوزار الخطأ إن كان لا قدر الله خطأ. ولقد ثارت في الأيام الأخيرة كلمة في صحيفة من الصحف، ثم تبعتها كلمة أخرى في صحيفة أخرى، تناول فيها كاتباها موضوع الديمقراطية؛ وهاهي الرسالة تردد المعنى نفسه وتبحث فيه على أسلوبها ونبالة مراميها.
وهذا الترديد في نفسه عظيم الدلالة، لأنه يدل على إن في النفوس معنى تحاول أن تستجليه، وذلك المعنى طبيعي لمن كان في عصرنا هذا يعيش بين تيارات مختلفة في مشارق الأرض ومغاربها؛ فبعض البلاد قد أتجه وجهة يسمونها الفاشية أو الدكتاتورية، ويحاول أنصارها أن يدعو لها ويمهدوا لحكمها بكل ما استطاعوا من وسائل الدعاية، ويدعمون حجتهم بأمرين: الأمر الأول إن تلك البلاد تهدده أخطار جمة من جميع النواحي، فلا قبل لها بمقابلة تلك الأخطار إلا بجمع الشمل وضم الصفوف واتحاد الأفراد تحت إرادة واحدة لا يشذ عنها أحد.
والأمر الثاني إن الطغاة القائمين على تلك الدول قد أصلحوا مرافق البلاد وزادوا في مجدها وقوتها ورفعوا شأنها بين بلاد العالم ولسنا في صدد مناقشة هذه الحجج، ولا نريد أن نبين ما فيها من وجوه المغالطة والمداورة.
وحسبنا أن نكرر هنا تلك الكلمة البديعة التي جاءت في افتتاحية العدد الأخير من الرسالة: (أنا أفهم إن المرء يقهر فيخضع، ويؤسر فيسترق، لأن الأمر في ذلك لا يخرج عن قانون الطبيعة من تغلب الأقوى وسيادة الأصلح، ولكني لا أستطيع أن أفهم كيف يستأسر شعب بأسره لواحد منه فيلقي بزمامه إليه، ويعول في جميع أموره عليه، والشعب مهما صغر لا يقل عن شعب، والفرد مهما كبر لا يزيد على فرد)؟ ولعل مصر أبعد بلاد العالم عن فكرة الطغيان ولعل شعب مصر أشد شعوب العالم كرهاً لحكومات الطغاة.
ولقد جربت تلك المحاولة مرات في مصر الحديثة، وجربتها من قبل دول فلم تدم تجربتها طويلاً على أساس ثابت.
وجربها ساسة فأسفرت تجربتهم عن فشل، وعادوا من التجربة بصفحة شوهاء؛ ولم يفوزوا بما أرادوا من ثبات الحكم بل ضاعت مجهوداتهم في مناضلة روح الشعب الثائرة، ولم يستطيعوا التفرغ لإصلاح ولا لتجديد.
وحسب البلاد أنها عرفت إن مآل الطغيان إلى الانهيار، فلا نحسب أحداً يحدث نفسه بتجربة أخرى في ذلك السبيل، ولا نظن أحداً يجرؤ على الدعوة إليها صراحة، لأن الشعب كله يشعر بأن ذلك جرم اجتماعي لا ينبغي له أن يتسامح فيه.
فلذلك لا نرى ثمة حاجة تدعو إلى التعرض لفكرة الدكتاتورية بالنقد أو الهدم إذ قد كفانا الماضي شرها فهدمها في عقائد الشعب وأظهرها له في ابشع صورها وأشنع آثارها ولكنا مع ذلك نحمد للرسالة الغراء أنها هتفت بذلك الاسم الحبيب إلى النفس وهو (الديمقراطية) لأن الشباب جدير بأن يجعلها قبلته وشعاره.
فإن الشعب الذي يحترم نفسه لا يتسامح في أمر حكم نفسه، بل يصر على أن يكون مرجع كل أموره إلى إرادته، ويصر على أن يكون رأي الفرد وإرادة الفرد ومجهود الفرد وحرية الفرد أساساً ثابتاً للمجتمع لا يحد من ذلك كله إلا حد الدستور وحد القانون ولكن الحكم الديمقراطي لا يكون حقيقياً إلا إذا كان متغلغلاً في كل نواحي الحياة غير مقصور على حكومة الدولة.
فجدير بنا في هذا العهد أن نتجه إلى شبابنا نناشده أن يقيم كل حياته في مجتمعاته ومشروعاته على ذلك الأساس الحر الديمقراطي فيكون في مدارسه وفي جمعياته وفي نواديه صادراً عن عقيدة ثابتة في أن الفرد الكامل الحر هو الوحدة الصالحة للمجتمع الصالح الحر.
وإن المجتمع الذي يقنع بأن يسير وراء إرادة فرد سيراً أعمى لا عن عقيدة بل عن خمول واستخذاء لن يكون مجتمعاً جديراً بالحياة. (مصري) -

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٣