أرشيف المقالات

على الشاطئ. . .!

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
8 الشاطئ شاطئ استانلي! واليوم يوم الأحد! والطرقات الجميلة الصاعدة إلى هذا الخليج البهيج تصب فيه أنماطاً من الناس في أنماط من اللباس، وكلهم في سن أهل الجنة! وكنت في هذا التيار الحار المتدفق كأنني السمكة الغريبة تفقد الاختيار وتخشى كل شيء! هبطت مع الهابطين إلى هذا الشاطئ على سلم من سلالمه ثم أرسلت فيه عيني فإذا هو مستدير على صدر الماء استدارة الهلال البازغ على صدر السماء، وإذا النجوم الزواهر من الأنس تختلج في قلب هذا الهلال اختلاج العواطف الرقيقة تتماس في رفق ثم تتفرج عليه في سهولة!! أخذت أخطو وئيدا بين العذارى المتجردات على استحياء وارتباك! فلما لم أجد فيهن حتى من تتقي النظر باليد كما فعلت (متجردة النابغة) حين تسقط نصفيها ولم ترد إسقاطه، أرسلت نفسي على طبيعتها في هذا الحي المباح وذكرت الأستاذ (الثعالبي) وهو يقول لي بالأمس في لهجة جازعة: (اذهب بربك إلى (استانلي) ثم صف لي ما تراه).
هاتان عيناي يا صديقي مفتوحتين، وهاتان أذناي مرهفتين! فماذا أرى وماذا أسمع؟؟ أكشاك أنيقة الصنع والوضع تدرجت طبقاتها الثلاث على حضن الشاطئ! ومظلات شتى الألوان قد ركزت هنا وهناك في منحدر الساحل وجمع حاشد عار كسوق الرقيق في ألف ليلة وليلة قد بعثر أمام الأكشاك وتحت المظلات وفوق الرمال وبين المياه،.
وصراع لذيذ عنيف بين أفواج البر وأمواج البحر تتخلله صيحات وضحكات كرنين الفضة المصفاة وأحاديث كهمس الأوتار تطير من بين الشفاه البواسم؛ كما تطير أنفاس الصبي الحالم، ولكنها لا تصعد إلى حيث يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح! وبيئة أجنبية ناسها غير ناسنا وإحساسها غير إحساسنا ولغتها لغة فرنسا لا لغة مصر، وسمرتها سمرة الشمس لا سمرة الجنس!! فعلام إذن هذا الجزع الباكي، والقوم إنما يجرون على أعراقهم ويعملون على مقتضى أخلاقهم وبين فتياتنا وفتياتهم من العرف الإسلامي حجاب، ومن الحياء الطبيعي وازع؟! كنت ألقي على نفسي هذا السؤال حين جرجر البحر إحدى موجاته الضخام إلى أعلى الساحل، فجريت إلى فوق أتقي هذا المدَّ المفاجئ فإذا بي واقف إزاء ظُلة جميلة منعزلة، قد انبطحت تحتها فتاة ناهد لم تقع العين منذ الصباح على اكمل منها صورة! وكانذعر السائرين من هجمة البحر قد لفتها لتنظر فلما وقع بصرها عليّ نهضت نهضة الظبي الفزِع تحيي بالعربية أستاذها القديم - أوه! فلانه؟! - نعم! ويسرني أن أراك بعد خمس سنين - هل أنت وحدك هنا؟ - كلا بل معي أخي.

وقد أتعبه صراع الأمواج الثائرة فذهب إلى (الكابين) - وكيف حال البك؟ - الحمد لله خير حال! وما أكثر سؤاله عنك وأشد شوقه إليك! لقد كان جالساً بالكازينو ثم أنصرف إلى البيت منذ قليل.
قالت ذلك تلميذتي الأرستقراطية المسلمة وهي تنصب كرسياً طويلاً من القماش دعتني إلى الجلوس عليه، ثم جلست هي على كرسي آخر، وكانت كأمها حواء لا يستر جسمها العاري الا (ورقتان) خصفتهما عليه، من أمام ومن خلف! فسرعان ما ذكرت ذلك المكتب الفخم الذي كانت تجلس قُبالتي عليه لتستعد لامتحان البكالوريا وهي ملففة بثوبها الأزرق الأنيق المسبل، وعيناها الساجيتان لا تفارقان الصحيفة حياء وخفرا، وثغرها الحَييُّ الدقيق لا يرسل سهل الكلام الا في تلعثم وبطئ!! لم تدعني الآنسة في ذكراي الا ريثما ردت التحية على فتاة في مثل حالها وجمالها، كانت تسير في رفقة شاب شديد السمرة غطى كتفيه شعر كثيف، كصوف الخروف. - هذه ابنة فلان وهذا الذي معها أخوها، وهذه أبنه فلان وهذا أبن عمها، وهذه المضطجعة في الشمس بنت فلان ومحادثها صديق من أصدقاء أخيها.

.
. - لولا علمك يا آنسة لحسبت هؤلاء جميعاً أجانب! - وما الذي يحملك على هذا الحسبان؟ - هيف القد واكتناز اللحم واتساع الحرية - ذلك من أثر الرقص والرياضة، ستكتب ولا شك عن أستانلي شيئا في الرسالة! - وهل قرأت ما كتب عنه؟ - قرأته ولم أسغه، لأنه شديد المبالغة سطحي النظر، وأي بأس في أن تمتع المصرية جسمها كله بأشعة الشمس وماء البحر كالغربية؟؟ - لا بأس وأظنها تدرك ذلك كله في شاطئ خاص وفي لباس مناسب - إن شمس الشواطئ كما تعلم إنما تقصد لخصائص أشعتها، وكلما تعرض أكثر الجسم لها، كان أكثر انتفاعا بها، والأمر في الشواطئ كالأمر في المراقص والمرايض، يهيمن على الحياة فيها روح رياضية عالية، تُغني كل إنسان بشأنه عن شأن غيره، فالراقص لا يفكر إلا في الرقص، والمرتاض لا يفكر إلا في الحركة والمستحم كذلك لا يفكر إلا في الأمواج والأشعة. - ابدئي بالمثال قبل القاعدة يا آنسة.
أين تجدين الروح الرياضية في هذه المرأة التي علت صدر هذا الرجل لتتعلم فوقه السباحة؟ وأينتجدين الروح الرياضية في هذين الجسمين الراقدين على الرمل يتلامسان بشهوة، ويتناجيان بنشوة، وقد انمحى من حولهما البحر والشاطئ والناس؟؟ أرى يا آنسة أن المرأة تسيء إلى نفسها بهذا التبذل (حتى من الجهة النسوية الخالصة) فإنها متى فقدت سحر المحجوب، وجاذبية المجهول، أصبحت كسائر الإناث من سائر الحيوان. عفواً يا آنسة إذا اصطنعت في خطابك لهجة الأستاذية، فإنها لا تزال أقوى الصلات التي أمتُّ بها إليك. ألا تلاحظين أننا في الجد نتطور ببطء موئس، وفي الهزل نتطور بسرعة جامحة؟! لقد كنا بالأمس نتجادل في السفور وها نحن أولاء اليوم نتجادل في العُري!! أستودعك الله يا آنستي! وأسلم على أبيك وأخيك. ثم أخذت طريقي على الشاطئ الشهوان وفي نفسي كلام حبسته! على أن من الظلم الموروث أن الرجل يشارك المرأة في الذنب ثم يفردها بالعقوبة! فالأب يقود ابنته عارية إلى الشاطئ، والزوج يجلس مع زوجه عارية على المقصف؛ والأخ يتعرى مع أخته في الكشك والبحر، ثم يندلع لسان النقد على المرأة وحدها فيتهمها بخنق الفضيلة ويرميها بذبح الخلق!! يا قوم، لقد فتشتم في الشواطئ كثيراً عن حياة المرأة، ففتشوا فيها ولو قليلاً عن نخوة الرجل!! أحمد حسن الزيات.
الإسكندرية

شارك الخبر

فهرس موضوعات القرآن