أرشيف المقالات

الخليفة العزيز بالله وزوجه النصرانية وأصهاره

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 البطاركة للأستاذ محمد عبد الله عنان ليس غريبا أن تقرا في التاريخ الإسلامي أن خليفة من الخلفاء قد ولد من أم نصرانية أو انه قد تزوج من نصرانية وله بين الأمراء النصارى أصهار ولأولاده منهم أقارب؛ ولكن ربما يبدو غريبا أن يقترن خليفة مسلم بنصرانية تنتمي إلى آسرة من الأحبار، وأن يكون له بين أحبار الكنيسة أصهار، ولولده منهم أقارب وخؤولة: تلك هي حالة العزيز بالله ثاني الخلفاء الفاطميين بمصر، ولد المعز لدين الله، ووالد الحاكم بأمر الله كانت الخلافة الفاطمية منذ قيامها بمصر تتشح بصيغتها المذهبية العميقة؛ بيد إنها رأت أن تتبع نحو الذميين من النصارى واليهود سياسة التسامح الحر؛ وظهر اثر هذا التسامح جليا في علائق الذميين بالدولة، وفي ارتفاعهم إلى أرقى مناصبها؛ بل نرى في خلافة المعز لدين الله وولده العزيز ثبتا حافلا من الوزراء والكتاب النصارى واليهود يحتلون ارفع المناصب في البلاط وفي الحكومة؛ وكان أول وزراء الدولة الفاطمية وأعظمهم يهوديا اعتنق الإسلام، وهو الوزير يعقوب بن كلس؛ وفي عصر العزيز كان مدير الدولة وكبير الوزراء نصراني هو عيسى بن نسطروس؛ وكان متولي أعمال الشام يهوديا يدعى منشا؛ وفي عهد المعز والعزيز أنشئت كنائس وأديار كثيرة؛ وبلغ نفوذ النصارى واليهود ذروته في عصر العزيز حيث استولى الوزراء والكتاب الذميون على معظم أعمال الدولة، واستأثروا بمعظم السلطات والنفوذ، وقد كان لهذه السياسة المتطرفة في التسامح والعطف أثر سيئ في المجتمع المصري؛ وتنقل الرواية إلينا في ذلك قصة خلاصتها أن العزيز بالله رأى ذات يوم في طريق الركب الخلافي امرأة تمد بيدها رقعة كأنها ظلامة.
فتناولها، فإذا بالمرأة هيكل من الجريد قد ألبس أزرار، وإذا في الرقعة ما يأتي: (بالذي أعز اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى ابن نسطورس، وأذل المسلمين بك إلا ما كشفت ظلامتي.
)
فأدرك العزيز ما انتهت إليه نفسية الشعب من تحكم الأقلية الذمية في مناصب الدولة ومرافق الأمة؛ وسواء صحت هذه الرواية أم كانت فقط أسطورة ذات مغزى، فان العزيز لم يلبث أن أدرك خطر هذه السياسة على سلطان الخلافة وهيبة إمامتها المذهبية، فانق إلى مطاردة الذميين، وقبض على الوزراء والكتاب من النصارى واليهود؛ ولكنه عاد فأفرج عنهم بعد أن اتخذ بعض الضمانات التي تكفل الحد من طغيانهم وإسرافهم في سياسة الاصطفاء وتجمع الروايات المعاصرة على أن جنوح العزيز إلى هذا الإسراف في التسامح نحو الذميين يرجع من وجوه كثيرة إلى نفوذ زوجه أو سريته النصرانية، وابنته منها الأميرة ست الملك؛ وكانت فتاة عاقلة حازمة يحبها والدها العزيز ويستمع إلى نصحها، في كثير من الأمور؛ وأخيرا إلى نفوذ صهريه أخوي زوجه، وهما حبران كبيران تبوأ في عصر العزيز أرفع المناصب الكنسية وهذه القصة: أعنى قصة زواج العزيز من سيدة نصرانية، قصة يمازجها شيء من الغموض والاضطراب، وتنفرد بتفاصيلها الرواية النصرانية، ولا تكاد تشير إليها الرواية الإسلامية؛ وتقول لنا الرواية أن هذه السيدة زوج العزيز أو سريته، كانت جارية رومية نصرانية من طائفة الملكية، وكان لها أيام العزيز نفوذ كبير في الدولة؛ وكان لها أخوان هما ارسانيوس أو (أرساني) وأريسطيس، رفعهما العزيز بتدخله ونفوذه إلى ذرى المناصب الكنسية، فعين أريسطيس بطريركا للملكية ببيت المقدس (سنة 375هـ) وعين أرسانيوس في نفس العام مطرانا للقاهرة، ثم عين بعد ذلك بطريركا للملكية بالإسكندرية (سنة 390هـ) وكان لهذين الحبرين بلا ريب نفوذهما في بلاط يرتبط معها بأواصر المصاهرة، وفيه أختهما (زوج الخليفة) وابنته منها الأميرة العاقلة المحبوبة ست الملك؛ وكانت عند وفاة والدها العزيز في نحو السادسة والعشرين من عمرها؛ وقد حملت رسالته في التسامح بعد ذلك في فرص كثيرة، ولاسيما بعد مصرع أخيها الحاكم بأمر الله سنة 411هـ وتذهب الرواية الكنيسة إلى أبعد من ذلك، فتقول لنا أن هذه السيدة النصرانية هي أم الخليفة الحاكم بأمر الله ولد العزيز، وتنفرد بهذا القول الرواية القبطية المعاصرة، وتقول لنا بالنص ما يأتي: (وكان الملك العزيز بالله بن المعز لدين الله قد رزق ولدا من سرية له رومية وجلس في الملك من بعده، ولقب بالحاكم بأمر الله؛ وكان للسرية المذكورة التي هي أم الحاكم أخ اسمه أرساني فجعلتها بعنايتها بطرك الملكية.
)
ولكن الرواية النصرانية تنقل إلينا في غير موطن أن هذه السيدة هي أم ست الملك ابنة العزيز دون الإشارة إلى أنها أم الحاكم؛ فيقول لنا يحيى الانطاكي مثلا، وهو مؤرخ معاصر تقريبا: (وفي شهر رمضان سنة خمس وسبعين وثلاثمائة صير اريستس خال السيدة ابنة العزيز بالله بطريركا على بيت المقدس، أقام عشرين سنة ومات بالقسطنطينية، وصُير أخوه ارسانيوس أيضاً مطرانا على القاهرة ومصر).
ويقول لنا المكين بن العميد في صراحة ووضوح: (أن العزيز بالله صاحب مصر تزوج امرأة نصرانية ملكية ورزق منها بنتا؛ وكان للمرأة أخوان أحدهما اسمه ارميس (اريستس) صيره بطركا على بيت المقدس، والآخر أرسانيس صيره بطركا للملكية على القاهرة ومصر؛ وكان لهما من العزيز جانب لأنهما أخولة ابنته)، وهذا بينما تلزم الرواية الإسلامية الصمت إزاء هذه المسالة كلها، ولا تشير إلى أم الحاكم إلا بأنها (الست العزيزية).
بل نرى المقريزي يشير إلى ارسانيوس وولايته لمنصب البطريركية دون الإشارة إلى أنه صهر العزيز أو خال ست الملك.
ومما يبعث إلى التأمل انه إذا كانت السيدة النصرانية هي أم ست الملك، فأن العزيز يكون قد تزوجها أو تسراها وهو ولي عهد بالمغرب قبل سنة 359هـ - وهو تاريخ مولد ابنته - ففي أي ظروف حصل هذا الزواج أو التسري؟ وفي أي ظروف وقعت هذه الجارية الرومية المصرية في يد البلاط الفاطمي بالمغرب؟ هذا ما لا توضحه لنا الرواية، ومن جهة أخرى فان الرواية الكنسية (القبطية) المعاصرة هي التي تنفرد بالقول بان هذه السيدة هي أيضاً أم الحاكم، هذا بينما تكرر الرواية النصرانية المعاصرة والمتأخرة إنها هي أم ست الملك فقط؛ ولو كانت نفس الأم هي أم الحاكم، وهو الخليفة وشخصيته أهم من شخصية أخته، لما ترددت الرواية في ذكر هذه الحقيقة.
وقد ولد الحاكم بعد مولد أخته بستة عشر عاماً (سنة 375 هـ) ولم يرزق العزيز خلال هذه الفترة إلا بابن يدعى محمداً وقد توفى طفلاً؛ وفي ذلك أيضاً ما يبعث إلى التأمل أفلا نستطيع على ضوء هذه الملاحظات أن نرتاب في هذا القول الذي تنفرد به الرواية الكنسية، وأن نعتقد أن هذه السيدة النصرانية هي أماً لست الملك فقط، وأن (السيدة العزيزية) التي تشير إليها الرواية الإسلامية بأنها أم الحاكم هي سيدة أخرى، وإنها هي الزوجة الشرعية؟ هذا ما نميل إلى الأخذ به، خصوصاً إذا ذكرنا موقف ست الملك من النصارى، وهو موقف عطف دائماً وموقف أخيها الحاكم وهو موقف اضطهاد وقسوة لا مثيل لهما، وصمت الرواية الإسلامية في هذا الموطن لا يمكن أن يحمل على انه صمت تحفظ وإغضاء، لان الرواية الإسلامية تقدم إلينا ثبتاً حافلا من الخلفاء الذين ولدوا من أمهات من النصارى، وفي مقدمتهم عبد الرحمن الناصر اعظم خلفاء الأندلس وتقدم إلينا الرواية النصرانية بعض تفاصيل عن حياة هذين الحبرين الكبيرين اريسطيس وارسانيوس صهري الخليفة العزيز بالله؛ فتقول لنا أن الطائفة الملكية اشتد ساعدها في عصر العزيز من جراء هذه المصاهرة الملوكية، ووضعت يدها على بعض كنائس اليعاقبة؛ وأن البلاط الفاطمي في أوائل عهد الحاكم بأمر الله، وفي عهد مدبر دولته برجوان الصقلبي، انتدب اريسطيس بطريرك بيت المقدس ليكون سفير الحاكم إلى قيصر قسطنطينية باسيل الثاني في سنة 390هـ (سنة 1000م)، ولكي يعمل على عقد الهدنة والصداقة بين مصر والدولة البيزنطية بعد أن استطالت الحرب بينهما في الشام منذ عهد المعز لدين الله؛ فسار اريسطيس إلى قسطنطينية مع رسل القيصر، وقام بالمهمة، وعقدت بين مصر والدولة البيزنطية معاهدة سلم وصداقة لمدة عشر سنين، وأقام اريسطيس في عاصمة بيزنطية أربعة أعوام حتى توفى في سنة 394 هـ أما ارسانيوس فانه لبث بطريركا للملكية زهاء عشر سنين؛ وكان في أواخر أيامه قد اعتزل الحياة، في دير القصير الذي شيد في بعض ربى المقطم، وعكف على النسك والتعبد؛ وفي سنة 400هـ (1010م) حينما اشتدت موجة الاضطهاد الديني التي أثارها الحاكم بقوانينه الصارمة ضد النصارى واليهود، أمر الحاكم بهدم هذا الدير الشهير ضمن ما أمر بهدمه من البيع والأديار الأخرى، فهاجمته الغوغاء، وقوضت أبنيته، ونهبت مقتنياته وآنيته، واخرج منه ارسانيوس مع باقي الرهبان الساكنين فيه؛ وقضى ارسانيوس اشهرا أخرى في بعض البيع حزيناً على ما أصاب قومه من الخطوب؛ وفي ذات ليلة من شهر ذي القعدة سنة 400هـ نفذ بعضهم إلى مكانه المتواضع وقتلوه سراً، واحتوت ابنة أخته ست الملك على ما كان له من المال والثياب والذخائر المقدسة.
ولم تحدثنا الرواية عمن قتله أو من أمر بقتله، بيد أن في هذا الحادث نفسه ما يبعث إلى الريب في قرابة الحاكم بأمر الله بالحبر المقتول تلك هي قصة زوج العزيز أو سريته النصرانية وقصة أخويها الحبرين البطركين؛ وهي مصاهرة طريفة فريدة في نوعها، ولا تذكر لنا الرواية مثلاً أخر يرتبط فيه خليفة مسلم مع بعض خلفاء النصرانية برباط المصاهرة، وإذا استبعدنا من الرواية ما يتعلق بالحاكم ونسبته لهذه الأم النصرانية، فانه ليس ثمة ما يحمل على الشك في جوهرها وتفاصيلها.
بيد أن الرواية لا تحدثنا عن اسم هذه السيدة الرومية النصرانية التي سطعت في قصر من أعظم القصور الإسلامية، وفي ظل خلافة تطبعها الصبغة المذهبية بأعمق طابع، ولا تحدثنا عن مصيرها محمد عبد الله عنان

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١