أرشيف المقالات

الصمد جل جلاله، وتقدست أسماؤه

مدة قراءة المادة : 34 دقائق .
2الصَّمَدُ جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ

الدِّلالاتُ اللُّغَويَّةُ لاسمِ (الصَّمد):
الصَّمدُ في اللُّغةِ صِفَةٌ مشبَّهةٌ للموصوفِ بالصَّمدية، فعْله صَمَدَ يَصْمدُ صَمْدًا وهو يأتي على عدَّةِ معانٍ: منها السَّيِّدُ المُطاعُ الذي لا يُقضى دونَه أَمرٌ، ومنها الذي يُطعِم ولا يُطعَم، ومنها الصَّمد السيِّد الذي يَنتهي إليه السُّؤدَدُ في كلِّ شيءٍ فله الصَّمديةُ المطلَقَةُ، وقيل: الصَّمدُ الدائِمُ الباقي بعد فناءِ خَلقِه، وقيل: هو الذي يُصمَدُ إِليه الأَمرُ فلا يُقضَى دونَهُ وليس فوقه أَحدٌ، وقيل: الصَّمدُ الذي صَمَدَ إِليه كلُّ شيءٍ؛ أي: الذي خَلَقَ الأَشياءَ كلَّها لا يَسْتَغني عنه شَيءٌ، وكلُّها تدُلُّ على وَحْدانيَّةِ اللهِ[1].
 
وقال البخاريُّ: «بابُ قولِهِ: اللهُ الصَّمَدُ، والعَرَبُ تُسمِّي أشرافَها الصَّمَدَ، قال أبو وائِل: هو السيّدُ الذي انتهى سُؤدُدُه»[2].
 
وقال ابنُ تيميةَ: «والاسمُ الصَّمدُ فيه للسلفِ أقوالٌ متعدِّدَةٌ قد يُظنُّ أنها مختلفةٌ، وليسَتْ كذلك، بل كلُّها صوابٌ.
 
والمشْهورُ منها قولانِ: أحدُهما أَنَّ الصَّمدَ هو الذي لا جَوْفَ له، والثاني أنَّه السَّيدُ الذي يُصمَدُ إليه في الحوائجِ»[3].
 
وقال ابنُ الجوزيِّ: «وفي الصَّمَدِ أربعةُ أقوالٍ: أحدُها: أَنَّه السَّيدُ الذي يُصمَدُ إليه في الحوائجِ...
والثاني: أنَّه لا جَوفَ له...
والثالث: أنَّه الدَّائِمُ...
والرابع: الباقي بَعْدَ فَناءِ الخلْقِ، وأصحُّ الوجوهِ الأولُ؛ لأنَّ الاشتقاقَ يَشهدُ له، فإنَّ أصْلَ الصَّمدِ القصْدُ يُقال: اصمِد فلانَ؛ أي: اقصِد فلانَ، فالصَّمدُ السَّيدُ الذي يُصمَدُ إليه في الأمورِ، ويُقصَدُ في الحوائجِ»[4].
 
وخُلاصَةُ المعاني في الصَّمديَّةِ: أَنَّ الصَّمدَ هو السَّيِّدُ الذي له الكمالُ المطْلَقُ في كلِّ شَيءٍ، وهو المستغني عَنْ كلِّ شيءٍ، وكلُّ مَنْ سِواه مُفتقِرٌ إليه يُصمَدُ إليه ويُعتَمدُ عليه، وهو الكامِلُ في جميعِ صفاتِه وأفعالِه، لا نقصَ فيه بوجهٍ من الوجُوهِ، وليس فَوقَهُ أحدٌ في كمالِه، وهو الذي يَصمِدُ إليه النَّاسُ في حوائِجهم وسائرِ أمورِهم، فالأمورُ أُصمِدَتْ إليه، وقِيامُها وبقاؤها عليه، لا يَقضِي فيها غيرُه.
وهو المقصودُ إليه في الرغائبِ، والمُستغَاثُ به عند المصائبِ، الذي يُطعِم ولا يُطعَم، ولم يلدْ ولم يولَدْ[5].
 
وُرودُه في القرآنِ الكريمِ[6]:
وَرَدَ مرَّةً واحدةً في قولِهِ تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ [الإخلاص: 1، 2].
 
معنى الاسمِ في حَقِّ اللهِ تعالى:
قال ابنُ جريرٍ رحمه الله: «واختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى (الصَّمدِ) فقال بعضُهُمْ: هو الذي ليس بأجوفَ ولا يأكلُ ولا يَشْرَبُ.
 
ذِكْرُ مَنْ قال ذلك[7].
قال مُجاهِدٌ: (الصَّمَدُ) المُصْمَتُ الذي لا جوفَ له[8].
وقال الحسَنُ: (الصَّمَدُ) الذي لا جَوفَ له، وعن عكرمةَ مثلُه[9].
وقال الشَّعبي: (الصَّمَدُ) الذي لا يَطْعمُ الطَّعامَ.
وقال: الذي لا يأكلُ الطَّعامَ، ولا يَشربُ الشَّرابَ»[10].
ثُمَّ قال ابنُ جريرٍ: «وقال آخرون: هو الذي لا يَخرُجُ منه شَيءٌ.
 
ذِكْرُ مَن قال ذلك:
قال عِكرمَةُ: (الصَّمَدُ) الذي لم يخرُجْ منه شَيءٌ، ولم يَلِدْ ولم يُولَدْ.
وفي روايةٍ أُخرى: الذي لا يَخْرجُ منه شَيءٌ»[11].
ثُمَّ قال ابنُ جريرٍ: «وقال آخرون هو الذي لم يلِدْ ولم يُولَدْ.
ذِكْرُ مَنْ قال ذلك[12].
وقال آخرون: هو السَّيدُ الذي قد انتهى سُؤدَدُهُ.
 
ذِكْرُ مَنْ قال ذلك:
قال أبو وائلٍ: الصَّمَدُ هو السَّيدُ الذي قد انتهى سُؤدَدُه[13].
وقال آخرون: بل هو الباقي الذي لا يَفْنى.
 
ذِكْرُ مَنْ قال ذلك:
كان الحسَنُ وقَتادةُ يقولانِ: الباقي بعد خَلْقِهِ، قال: هذه سُورةٌ خالِصَةٌ ليس فيها ذِكْرُ شيءٍ من أمرِ الدُّنيا والآخرةِ[14].
 
وقال قتادَةُ: (الصَّمَدُ): الدائِمُ[15].
 
قال أبو جعفر: الصَّمَدُ عند العربِ هو: السَّيِّدُ الذي يُصمَدُ إليه، الذي لا أحدَ فوقَهُ، وكذلك تُسمِّي أشرافها، ومنه قولُ الشَّاعرِ:






أَلَا بَكَّرَ النَّاعي بخَيري بني أسدٍ
بعمرِو بنِ مسعودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدِ











فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويلِ الكَلِمَةِ المعنى المعروفُ من كلامِ مَنْ نَزلَ القرآنُ بلسَانِه» اهـ[16].
 
وقال أبو عُبيدةَ: «﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾، هو الذي يُصمَدُ إليه، ليس فَوقَهُ أحدٌ، والعربُ كذلك تُسمِّي أشرافَها»[17].
 
وقال الزَّجاجُ: «وأصحُّه: أَنَّه السَّيدُ المَصمُودُ إليه في الحوائجِ»[18].
 
وقال الخَطَّابيُّ: «(الصَّمَدُ) هو السَّيدُ الذي يُصمَدُ إليه في الأُمورِ، ويُقصَدُ في الحوائجِ والنوازِلِ، وأصلُ الصَّمْدِ القَصْدُ، ويقال للرَّجُلِ: اصْمِد صَمْدَ فلان، أي: اقصِد قَصْدَه، وجاءَ في التفسيرِ: أَنَّ الصَّمدَ: الذي قد انتهى سُؤدَدُه.
 
وقِيلَ (الصَّمَدُ): الدائِمُ.
وقِيلَ: الباقي بعد فناءِ الخَلْقِ.
 
وأصحُّ هذه الوجُوهِ، ما شَهِدَ له معنى الاشتقاقِ، واللهُ أعلمُ»[19].
 
وقال الشِّنقيطي: «مِنَ المعروفِ في كلامِ العَربِ إطلاقُ الصَّمَدِ على السَّيدِ العظيمِ، وعلى الشَّيءِ المُصْمَتِ الذي لا جَوفَ له.
 
فمِنَ الأولِ قول الزِّبِرْقانِ:






سِيرُوا جَمِيعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ وَاعْتَمِرُوا
وَلَا رَهِينَةَ إِلَّا سَيِّدٌ صَمَدُ











ومن الثاني قولُ الشّاعرِ:






شِهابُ حُرُوبٍ لا تزالُ جِيادُه
عَوَابِسَ يَعْلُكنَ الشِّكيمَ المُصمَّدا











فإذا علمتَ ذلك، فاللهُ تعالى هو السَّيدُ الذي وَحْدَه الملجأُ عند الشدائِدِ والحاجاتِ، وهو الذي تنزَّه وتقدَّسَ وتعالى عن صفاتِ المخلوقين كأكلِ الطعامِ ونحوِه، سُبْحَانَهُ وتعالى عن ذلك عُلوًّا كبيرًا[20].
 
وقال ابنُ القيِّم في نونيَّتِهِ:






وَهُوَ الإِلَهُ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي
حَمِدَتْ إِلَيْهِ الخَلْقُ بِالإِذْعَانِ


الكَامِلُ الأَوْصَافِ مِن كلِّ الوُجُو
هِ كَمَالُهُ مَا فِيهِ مِنْ نُقْصَان[21]






 
ثمراتُ الإِيمانِ بهذا الاسمِ:
كلُّ ما سبقَ من الأقوالِ يصحُّ أَنْ يُوصَفَ به ربُّنا سبحانه وتعالى، كما قال الحافظ الطبرانيُّ في كتابِه: السُّنة - كما في تفسير ابنِ كثيرٍ (4/570) بعد إيرادِهِ كثيرًا مِنْ هذه الأقوالِ في تفسيرِ (الصَّمدِ) قال: «وكلُّ هذه صحيحةٌ وهي صفاتُ ربِّنا عز وجل، هو الذي يُصْمَدُ إليه في الحوائجِ، وهو الذي قد انتهى سُؤدَدُه، وهو الصَّمَدُ الذي لا جَوْفَ له، ولا يأكلُ ولا يَشْرَبُ، وهو الباقي بعد خَلْقِهِ».
 
وقال البغويُّ: «والأَولى أنْ يُحملَ لفظُ (الصَّمدِ) على كلِّ ما قِيلَ فيه؛ لأنه مُحتَمِلٌ له، فعلى هذا يَقتضي أَنْ لا يكونَ في الوجودِ صمدٌ سِوى اللهِ تعالى، العظيمِ القادرِ على كلِّ شيءٍ، وأَنَّه اسمٌ خاصٌّ باللهِ تعالى انفرَدَ به، له الأسماءُ الحُسنى والصفاتُ العليا ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]»[22].
 
ولنفصِّلْ ما تُوجبه تلك المعاني من آثارٍ إيمانيَّةٍ في قلبِ المؤمنِ باللهِ تعالى وصفاتِه.
 
1- الصَّمدُ يَقتضي صفاتِ الجلالِ ونعوتَ الجمالِ:
قد احتوى هذا الاسمُ على أوصافٍ عَظيمةٍ، ومدائحَ جميلةٍ لربِّنا جلَّ في عُلاه، لا تنبغي إلا لمَنْ تناهى سُؤدَدُه، وعَظُمَ فضلُه وجُودُه، وهو اللهُ وَحْدَهُ.
 
فقد قالوا إِنَّ معنى (الصَّمَدِ): هو الذي ليس بأجوفَ، أو لا جَوْفَ له، ولا يأكلُ، ولا يَشربُ.
 
وهو كذلك فإنَّه سُبْحَانَهُ الغنيُّ عن كلِّ شيءٍ، وهذا من صفاتِ كمالِه كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: 14].
 
وقال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 - 58].
 
وقد ردَّ اللهُ تعالى على النصارى الذين قالوا بإلهيةِ عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بقولِه: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ﴾ [المائدة: 75].
 
فدلَّتِ الآية على أَنَّ الإلهَ الحقَّ ينبغي أَنْ يكونَ مُستغنيًا عن الطَّعامِ والشراب.
 
2- الصَّمدُ يقتضي نفيَ الوالدِ والولَدِ:
وقالوا: إِنَّ معنى (الصَّمَدِ): هو الذي لم يَلدْ ولم يُولدْ.
 
وهذا حقٌّ أيضًا، فقد نفى اللهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يكونَ له مثيلٌ، أو نظيرٌ، أو مكافِئٌ في آياتٍ لا تُحصَرُ، كقولِه تعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65]، وقولِه: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 4]، وغيرِها.
 
وإذا ثبتَ أنَّه ليس للهِ تعالى مَثيلٌ، بطلَ أَنْ يكونَ متولِّدًا من شيءٍ، إذ الشيءُ لا يتولَّدُ إلا عن جنسِهِ.
 
وبثبوتِ ما سَبقَ - وهو أَنَّه ليس للهِ تعالى مَثيلٌ - يَبطُلُ أَنْ يكونَ للهِ وَلدٌ، إِذِ الولدُ لا يكونُ إلا عَنْ زوجةٍ، والزَّوجةُ منتفيةٌ لعدمِ المثيلِ، فينتفي الولدُ تبعًا.
 
قال سُبْحَانَهُ: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الأنعام: 101].
 
3- وقالوا: إِنَّ (الصَّمدَ) هو السَّيدُ الذي قد انتهى سُؤدُدُه:
وقد رُوي عن ابنِ عبَّاسِ رضي الله عنهما قولُه:
«(الصَّمدُ) السَّيدُ الذي قد كَمُلَ في سؤدَدِهِ، والشريفُ الذي قد كَمُلَ في شرفِه.
والعظيمُ الذي قد كَمُلَ في عظمتِه، والحليمُ الذي قد كَمُلَ في حلمِه.
والغنيُّ الذي قد كَمُلَ في غِناهُ، والجبَّارُ الذي قد كَمُلَ في جَبروتِه.
والعالِمُ الذي قد كَمُلَ في عِلمِه، والحكيمُ الذي قد كَمُلَ في حكمتِهِ.
وهو الذي قد كَمُلَ في أنواعِ الشَّرفِ والسُّؤدَدِ.
وهو اللهُ سُبْحَانَهُ هذه صفتُه لا تنبغي إلا له»[23].
فصفاتُ السُّؤدَدِ كلُّها كامِلَةٌ له، لا يُشارِكُه في هذا شَيءٌ من مخلوقاتِه.
 
4- وقالوا: إِنَّ (الصَّمَدَ) الباقي الذي لا يفنى:
وهذا حقٌّ لا مِريَةَ فيه؛ فإنه سُبْحَانَهُ أولٌ بلا ابتداءٍ، دائمٌ بلا انتهاءٍ، كما قال سُبْحَانَهُ عن نفسه: ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴾ [الحديد: 3]، وفسَّره النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقولِهِ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَك شَيْءٌ»[24].
 
وقال تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26، 27].
 
وكلُّ ما سَبقَ ذِكْرُه من صفاتِ السُّؤدَدِ والكمالِ، باقيةٌ له لم تَزَلْ ولا تَزالُ - كذلك أبديًّا - لا يطرأُ عليها النقصُ ولا الآفاتُ ولا الاختلالُ، كما هو شَأنُ المَخْلوقِ الذي يكونُ سُؤدَدُه وكمالُه في حالٍ دونَ حالٍ، فسُبْحَانَ الواحدِ الصَّمدِ ذي العزَّةِ والجلالِ.
 
قال الأُقْليشي: «فعلى هذا يتشعَّبُ مِن صِفاتِ الصَّمدِ صفاتُ السُّؤدَدِ كلُّها مِنَ الجُودِ والحِلْمِ وغيرِ ذلك.
 
وإذا قُلنا إِنَّ (الصَّمَدَ) هو العالي مِنْ قولِهم: بناءٌ مُصمَدٌ، ومكانٌ مُرتَفِعٌ فيتشعَّبُ من صفاتِ (الصَّمَدِ) صفاتُ التعالي كلُّها من العزَّةِ والقَهْرِ والعُلو إلى غيرِ ذلك مما يُضاهيه.
 
وإذا قُلنا إِنَّ (الصَّمَدَ) مأخوذٌ مِن قَولِهم: شَيءٌ مُصمَدٌ إذا لم يكُنْ أجوفَ، ففيه نفيُ التركيبِ عن اللهِ تعالى، وأنَّه لا بعضَ له كما قُلنا في (الأحدِ)، وإلى هذا أشار مَنْ قال: (الصَّمَدُ) لا جوفَ له، ومَنْ قال: هو الذي لا يَطْعَم، ومَنْ قال: هو الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ومَنْ قال: هو الباقي الدَّائِمُ.
 
فترجِعُ حقيقةُ الصَّمدانيةِ في حقِّه إلى قيامِه بذاتِه واستغنائِه عن غيرِه، واحتياجِ كلِّ شَيءٍ إليه، فهي صفةٌ ذاتيةٌ له سبحانه وتعالى، تارةً دون إضافةٍ إذا نُظِرَ إلى عينِ ذاتِه وصَمَدانيتِه، وتارةً بإضافةٍ إذا نُظِرَ إلى صَمْدِ الخَلْقِ إليه وقيامِهم به واحتياجِهم إليه في جميعِ أمورِهم»[25].
 
5- الفرقُ بين صمديَّةِ الخالقِ وصمديَّةِ المخلوقِ:
ولشيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية رحمه الله في معنى هذا الاسمِ لُغةً، وفي حقِّ اللهِ تعالى، وما يتضمَّنُه من الصِّفاتِ الجليلةِ بحثٌ موسَّعٌ طيِّبٌ ننقلُ منه ما يُناسِبُ هذا الموضِعَ، قال رحمه الله:
«وأما اسمُ (الصَّمدِ) فقد استعمَلَهُ أهلُ اللُّغةِ في حَقِّ المخلوقين، كما تقدَّم، فلم يَقُل: اللهُ صمدٌ، بل قال: ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ فبيَّن أَنَّه المُستَحِقُّ؛ لأَنْ يكونَ هو الصمدَ دون ما سِواهُ، فإنه المُستَوجِبُ لغايتِه على الكمالِ.
والمخلوقُ وإِنْ كان صَمدًا مِن بعضِ الوجُوهِ، فإِنَّ حقيقةَ الصَّمديَّةِ منتفيةٌ عنه، فإِنَّه يَقبلُ التفرُّقَ والتجزِئَةَ، وهو أيضًا مُحتاجٌ إلى غيرِه، فإِنَّ كلَّ ما سِوى اللهِ مُحتاجٌ إليه مِن كلِّ وجهٍ، فليس أحدٌ يَصمِدُ إليه كلُّ شيءٍ، ولا يَصمِدُ هو إلى شيءٍ، إلا اللهُ تبارك وتعالى، وليس في المخلوقاتِ إلا ما يَقبلُ أن يتجزَّأَ ويتفرقَ ويتقسَّمَ، وينفصِلَ بعضُه من بعضٍ، واللهُ سُبْحَانَهُ هو الصَّمدُ الذي لا يجوزُ عليه شيءٌ من ذلك، بل حقيقةُ الصَّمديَّةِ وكمالُها له وَحْدَهُ واجبةٌ لازِمَةٌ، لا يمكنُ عدمُ صَمديَّتِه بوجهٍ مِن الوجُوهِ، كما لا يمكنُ تثنيةُ أحديَّتِه بوجهٍ من الوجُوهِ، فهو أحدٌ لا يُماثِلُه شيءٌ مِن الأشياءِ بوجهٍ من الوجوهِ، كما قال في آخر السُّورةِ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾، استعملَها هنا في النفي؛ أي: ليس شَيْءٌ مِنَ الأشياءِ كُفوًا له في شيءٍ من الأشياءِ؛ لأنَّه أحدٌ.
 
وقال رَجُلٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنتَ سَيِّدُنا فقال: «السَّيدُ اللهُ»[26].
 
دَلَّ قولُه: (الأَحدُ، الصَّمدُ)، على أنه لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يَكُنْ له كُفوًا أَحدٌ، فإِنَّ الصَّمدَ هو الذي لا جَوْفَ له ولا أحشاءَ، فلا يَدخُلُ فيه شيءٌ، فلا يأكلُ ولا يشربُ سبحانه وتعالى كما قال: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ﴾ [الأنعام: 14]، وفي قراءة الأعمش وغيره: (وَلَا يَطْعَمُ) بالفتحِ.
 
وقال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 - 58] ومِنْ مخلوقاتِه الملائكةُ، وهم صمدٌ لا يأكلون ولا يَشربون، فالخالِقُ لهم عليهم السلام أحقُّ بكلِّ غنًى وكمالٍ جعلَهُ لبعضِ مخلوقاتِه، فلهذا فسَّر بعضُ السَّلفِ (الصَّمدَ) بأنَّه: الذي لا يأكُلُ ولا يَشربُ، والصَّمدُ المُصمَدُ الذي لا جوفَ له، فلا يخرجُ منه عينٌ من الأعيانِ، فلا يلدُ.
 
ولذلك قولُ مَنْ قال مِنَ السَّلفِ: هو الذي لا يَخْرُجُ منه شَيءٌ، ليس مُرادُهم أَنَّه لا يتكلَّمُ، وإِنْ كان يُقالُ في الكلامِ إِنَّه خرجَ منه، كما قال في الحديثِ: «ما تَقرَّبَ العبادُ إلى اللهِ بشيءٍ أفضلَ مما خَرَجَ منه»؛ يعني: القرآن[27].
 
وقال أبو بكرٍ الصدِّيق لما سَمِعَ قرآنَ مُسيلِمَةَ: إنَّ هذا لم يخرجْ مِن إلهٍ.
 
فخروجُ الكلامِ مِن المتكلِّمِ هو بمعنى أَنَّه يَتكلَّمُ به فَيُسْمَعُ منه، ويبلغُ إلى غيرِه، ليس بمخلوقٍ في غيرِه، كما يقول الجهميَّةُ، ليس بمعنى أنَّ شيئًا مِنَ الأشياءِ القائمةِ به يُفارِقُه، وينتقلُ عنه إلى غيرِه، فإِنَّ هذا ممتنِعٌ في صفاتِ المخلوقين، أَنْ تُفارِقَ الصِّفةُ محلَّها، وتنتقلَ إلى غيرِ محلِّها، فكيفَ بصفاتِ الخالقِ جل جلاله وتقدست أسماؤه، وقد قال تعالى في كلامِ المخلوقين: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴾ [الكهف: 5] ، وتلك الكلمةُ هي قائمةٌ بالمتكلِّمِ، وسُمِعَتْ منه ليس خُروجُها مِنْ فِيه، أَنَّ ما قام بذاتِه من الكلامِ فارقَ ذَاتَهُ، وانتقلَ إلى غيرِه، فخروجُ كلِّ شيءٍ بحسَبِه، ومِنْ شأنِ العِلمِ والكلامِ إذا استُفيدَ مِن العالمِ والمتكلِّمِ أَنْ لا ينقصَ من مَحِلِّهِ، ولهذا شُبِّه بالنورِ الذي يَقتَبِسُ منه كلُّ أحدٍ الضوءَ، وهو باقٍ على حالِه لم ينقُصْ، فقول مَنْ قال مِن السَّلفِ: الصَّمَدُ هو الذي لم يخرُجْ منه شيءٌ، كلامٌ صحيحٌ، بمعنى أَنَّه لا يُفارِقُه شيءٌ منه.
 
ولهذا امتنعَ عليه أَنْ يَلِدَ وأَنْ يولدَ، وذلك أَنَّ الولادَةَ والتولُّدَ وكلَّ ما يكونُ من هذه الألفاظِ لا يكونُ إلَّا مِنْ أصلينِ، وما كان مِن المتولِّدِ عينًا قائمةً بنفسِها فلا بُدَّ لها مِن مادَّةٍ تخرجُ منها، وما كان عَرضًا قائمًا بغيرِه فلا بُدَّ له مِنْ مَحِلٍّ يقومُ به، فالأولُ نَفاه بقولِهِ: (أحدٌ)، فإِنَّ الأحدَ هو الذي لا كُفؤَ له ولا نظيرَ، فيمتنعُ أنْ تكونَ له صاحبةٌ، والتولدُ إنما يكونُ بين شيئين، قال تعالى: ﴿ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الأنعام: 101] فنفى سُبْحَانَهُ الولدَ بامتناعِ لازِمِهِ عليه، فإِنَّ انتفاءَ اللازِمِ يدلُّ على انتفاءِ الملزومِ، وبأَنَّه خالِقُ كلِّ شَيءٍ، وكلُّ ما سِواهُ مخلوقٌ له، ليس فيه شيءٌ مولودٌ له.
 
والثاني: نفاهُ بكونِه سُبْحَانَهُ الصَّمدَ، وهذا المتولِّدُ مِن أصلين يكونُ بجزْأَين ينفصلانِ من الأصلين، كتولّدِ الحيوانِ من أبيه وأُمِّه بالمَنيِّ الذي ينفصلُ مِن أبيه وأُمِّهِ، فهذا التولُّدُ يفتقِرُ إلى أصلٍ آخرَ، وإلى أنْ يخرُجَ منهما شَيْءٌ، وكلُّ ذلك ممتنِعٌ في حَقِّ اللهِ تعالى، فإِنَّه أحَدٌ فليس له كُفُؤٌ يكونُ صاحبةً ونظيرًا، وهو صَمَدٌ لا يخرجُ منه شيءٌ، فكلُّ واحدٍ مِنْ كونِه أحدًا، ومِنْ كونِه صَمدًا يَمنعُ أَنْ يكونَ والِدًا، ويمنعُ أنْ يكونَ مولودًا بطريق الأَولى والأحرى» اهـ[28].
 
6- الصَّمدُ يقتضي أَنْ لا يلجأَ العبادُ إِلَّا إِليه:
وإذا كان ربُّنا كذلك فينبغي على العبادِ أَنْ لا يلجؤوا إِلَّا إليه، ولا يطلُبوا إلا منه.
 
فهو سُبْحَانَهُ السَّيدُ الصَّمدُ الذي لا شيءَ فوقَه، بيده الخيرُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
 
قال القرطبيُّ: «فيجِبُ على كلِّ مكلَّفٍ أَنْ يعلَمَ أَنْ لا صَمدانيَّة ولا وحدانيةَ إلا للهِ وَحْدَهُ، فلا يقصِدُ غيرَه ولا يلجأُ في حوائجِه إلا إليه، ثُمَّ عليه أن يَتخلَّقَ بأخلاقِ السِّيادةِ والسَّادةِ حتى يكونَ مصمودًا، وبابُه مقصودًا.
 
روى هشام بنُ عروةَ، عن أبيه قال: أدْركتُ سعدَ بنَ عُبادةَ ومنادٍ يُنادي على أُطمةَ: مَنْ أحبَّ شحمًا ولحمًا فليأتِ سعدًا، ثم أدركتُ ابنه قيسًا يُنادي مثلَ ذلك»[29].
 
7- لماذا كانت سورةُ الإخلاصِ تعدلُ ثُلثَ القرآنِ؟
جاء في الصحيح؛ أَنَّ سورةَ الإخلاصِ - التي وَرَدَ فيها (الصَّمدُ) و(الأحد) تعدِلُ ثُلثَ القرآنِ، فعن أبي سعيدٍ الخُدري رضي الله عنه؛ قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأصحَابِه: «أيعجَزُ أحدُكم أَنْ يقرأَ ثلثَ القرآنِ في ليلةٍ؟» فشقَّ ذلك عليهم وقالوا: أيُّنا يُطِيقُ ذلك يا رسولَ اللهِ؟ فقال: «اللهُ الواحدُ الصَّمدُ ثلثُ القرآنِ»[30].
 
وفي روايةٍ: «إنَّ الله جزَّأ القرآنَ ثلاثةَ أجزاءٍ، فجعل ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ جُزءًا مِن أجزاءِ القرآنِ»[31].
 
قال القرطبيُّ: اشتملتْ هذه السورةُ على اسمين من أسماءِ اللهِ تعالى، يتضمَّنانِ جميعَ أصنافِ الكمالِ، لم يُوجدا في غيرِها من السُّورِ، وهما: (الأحد - الصَّمد)؛ لأنهما يَدُلَّانِ على أحَديَّةِ الَّذاتِ المقدَّسةِ الموصُوفةِ بجميعِ أوصافِ الكمالِ، وبيانُ ذلك:
أَنَّ (الأحدَ) يُشعِرُ بوجودِه الخاصِّ الذي لا يُشارِكُه فيه غيرُه.
 
و (الصَّمد) يُشعِرُ بجميعِ أوصافِ الكمالِ، لأَنَّه الذي انتهى إليه سُؤدَدُه فكان مرجعُ الطلبِ منه وإليه.
 
ولا يتمُّ ذلك على وجهِ التحقيقِ إلا لمَنْ حَازَ جميعَ خصالِ الكمالِ، وذلك لا يصلُحُ إلا للهِ تعالى، فلما اشتملتْ هذه السورةُ على معرفةِ الذاتِ المقدَّسةِ، كانت بالنسبةِ إلى تمامِ المَعْرفةِ بصفاتِ الذَّاتِ وصفاتِ الفعلِ ثُلثًا[32].
 
وقِيلَ غيرُ ذلك في معناه.
 
مِنْ ذلك ما نقلَهُ في الأسنى: «وقد قِيلَ: إِنَّ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ إِنَّما عَدَلَتْ ثُلثَ القرآنِ - على ما جاءَ في الصحيح - لأجلِ هذا الاسمِ؛ يعني: (الصَّمد) الذي لا يُوجد في غيرِها من السُّورِ، وكذلك (أحدٌ)، والله أعلم.
 
وقِيلَ: إن القرآن أُنزِلَ أثلاثًا: ثلثٌ منه أحكَام، وثلثٌ منه وعدٌ ووعيدٌ، وثلثٌ منه أسماءٌ وصفاتٌ، وقد جَمَعَتْ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ أحدَ الأثلاثِ وهو الأسماءُ والصِّفاتُ فقِيلَ: إِنَّها ثلثُ القرآنِ، ودلَّ على هذا التأويلِ ما في صحيحِ مسلم مِن حديثِ أبي الدرداء، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ جزَّأ القرآن ثلاثة أجزاءٍ، فجعلَ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ جُزءًا مِن أجزاءِ القرآنِ»[33].
 
المعاني الإيمانيَّةُ[34]:
الصَّمدُ السيِّد الذي كَمُلَ في سُؤدَدِه، ولهذا كانت العَربُ تسمِّي أشرافَها بهذا الاسمِ، لِكثرةِ الصِّفاتِ المحمودةِ في المُسمَّى به، قال شاعرُهم:






ألا بَكَّر النَّاعِي بخَيْري بني أسدِ
بعمرِو بنِ مسعودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدِ











فإن الصَّمدَ مَنْ تصمِدُ نحوه القلوبُ بالرغبةِ والرَّهبةِ، وذلك لكثرةِ خِصالِ الخيرِ فيه، وكثرةِ الأوصافِ الحميدةِ له؛ ولهذا قال جمهورُ السَّلفِ منهم عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: الصَّمدُ السَّيدُ الذي كَمُلَ سؤددُه، فهو العالِمُ الذي كَمُلَ علمُه، القادِرُ الذي كَمُلت قدرتُه، الحكيمُ الذي كَمُل حكمُه، الرَّحيمُ الذي كَمُلتْ رحمتُه، الجَوادُ الذي كَمُل جُودُه.
 
ومَنْ قال: إنه الذي لا جَوْفَ له فقولُه لا يُناقِضُ هذا التفسيرَ، فإِنَّ اللفظَ مِنَ الاجتماعِ، فهو الذي اجتمَعتْ فيه صفاتُ الكمالِ، ولا جوفَ له، فإِنَّما لم يكُنْ أحدٌ كُفوًا له لمَّا كان صمدًا كامِلًا في صَمديَّتِه، فلو لم تكُنْ صفاتِ كمالٍ، ونعوتَ جلالِ، ولم يكُنْ له عِلمٌ، ولا قدرةٌ، ولا حياةٌ، ولا إرادةٌ، ولا كلامٌ، ولا وجهٌ، ولا يدٌ، ولا سمعٌ، ولا بصَرٌ، ولا فِعلٌ يقومُ به، ولا يفعل شيئًا البتَّةَ، ولا هو داخِلَ العالمِ، ولا خارِجَهُ، ولا فوقَ عرشِه، ولا يرضى، ولا يغضَبُ، ولا يُحبُّ، ولا يبغَضُ، ولا هو فَعَّالٌ لما يُريد، ولا يَرى، ولا يمكنُ أَنْ يرى، ولا يُشار إليه، ولا يُمكنُ أَنْ يُشارَ إليه، لكان العدمُ المحضُ كفوًا فإن هذه الصفاتِ منطبِقَةٌ على المعدومِ، فلو كان ما يقولُ المعطِّلون هو الحقَّ لم يكن صَمدًا، وكان العدمُ كفوًا له، وكذلك قوله: ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65].
 
فأخبر أنه لا سَمِيَّ له، عَقيبَ قولِ العارفين به:
﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 64، 65].
 
فهذا الربُّ الذي له هذا الجندُ العظيم ولا ينزلون إلا بأمرِه، وهو المالِكُ ما بين أيديهم وما خلفَهم، وما بين ذلك، فهو الذي قد كمُلَتْ قدرتُه وسلطانُه، وملكُه، وكَمُلَ علمُه، فلا يَنسى شيئًا أبدًا، وهو القائِمُ بتدبيرِ أمْرِ السماواتِ والأرضِ وما بينهما، كما هو الخالِقُ لذلك كلِّه، وهو ربُّه ومليكُه، فهذا الربُّ هو الذي لا سَمِيَّ له، لِتفرُّدِه بكمالِ هذه الصفاتِ والأفعالِ، فأما مَنْ لا صِفَةَ له ولا فِعلَ ولا حقائقَ لأسمائِه إِنْ هي إلا ألفاظٌ فارغةٌ من المعاني، فالعدَمُ سَمِيٌّ له، وكذلك قولُه تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11].
 
فإِنَّه سُبْحَانَهُ ذكَرَ ذلك، بعد ذكر نعوتِ كمالِه، وأوصافِه فقال: ﴿ حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ [الشورى: 1 - 6].
 
إلى قوله: ﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].
 
فهذا الموصوفُ بهذهِ الصفاتِ والنعوتِ والأفعالِ والعلوِّ والعظَمةِ والحفظِ والعزَّةِ والحكمةِ والمُلكِ والحَمْدِ والمغفرةِ والرَّحمةِ والكلامِ والمَشيئةِ والولايةِ، وإحياءِ الموتى، والقُدرَةِ التامَّةِ الشاملةِ، والحُكْمِ بين عبادِه، وكونِه فاطرَ السماواتِ والأرضِ وهو السميعُ البصيرُ؛ فهذا هو الذي ليس كمثلِه شيءٌ لكثرةِ نعوتِه وأوصافِه، وأسمائِه، وأفعالِه، وثبوتِها له على وجهِ الكمالِ، الذي لا يماثِلُه فيه شيءٌ، فالمُثبِتُ للصفاتِ والعلوِّ والكلامِ والأفعالِ وحقائقِ الأسماءِ، هو الذي يصِفُه سُبْحَانَهُ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾.
 
وأما المُعَطِّلُ: النافي لصفاتِه وحقائقِ أسمائِه، فإِنَّ وَصْفَهُ له بأَنَّه ليس كمثلِهِ شَيْءٌ مجازٌ، لا حقيقةَ، كما يقول في سائرِ أوصافِه، وأسمائِه ولهذا قال مَنْ قال مِن السَّلفِ: إِنَّ النُّفاةَ جمعوا بين التشبيهِ والتعطيلِ، فسمَّوا تعطيلَهُم تنزيهًا، وسَمَّوا ما وصفَ به نفسَهُ تشبيهًا وجعلوا ما يدُلُّ على ثبوتِ صفاتِ الكمالِ، وكثرتِها دليلًا على نَفْيِها وتعطيلِها، ورَاجَ ذلك على مَنْ لم يجعلِ اللهُ له نورًا، واغترَّ به مَنْ شاء اللهُ، وهدى اللهُ مَنِ اعتصَم بالوحيِ والعقلِ والفطرةِ، واللهُ يهدي مَنْ يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ[35].



[1] لسان العرب (3/ 259)، والنهاية في غريب الحديث (3/ 52).


[2] البخاري: كتاب التفسير، باب: وامرأته حمَّالة الحطب (4/ 1903).


[3] بيان تلبيس الجهمية (1/ 511).


[4] زاد المسير (9/ 268).


[5] الأسماء والصفات للبيهقي (ص: 78)، وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (ص: 57)، والمقصد الأسنى (ص: 199).


[6] النهج الأسمى (2/ 95 - 108).


[7] وسوف نقتصر على إيراد ما صحَّ من الآثار دون ذكْر أسانيدها.


[8] جامع البيان (30/ 222) وقد رواه بسندَين صحيحَين عنه.


[9] المصدر السابق، رواه بسندَين صحيحَين عن الحسن، وبسند صحيح عن عكرمة.


[10] المصدر السابق، رواه بثلاثة أسانيد صحيحة.


[11] المصدر السابق (ص: 323) أخرجهما عنه بسندَين صحيحَين.


[12] ذكر بعده آثارًا لا تصحُّ، وقد تقدَّم عن عكرمة مثله.


[13] جامع البيان (30/ 323) عنه بسندَين صحيحَين.


[14] المصدر السابق، وسنده حسن.


[15] المصدر السابق (30/ 223 - 224) وسنده صحيح.


[16] جامع البيان باختصار، وانظر: مجموع الفتاوى (17/ 219 - 225) لشيخ الإسلام فقد ذكر أكثر هذه الآثار بأسانيدها.


[17] مجاز القرآن (2/ 316).


[18] تفسير الأسماء (ص: 58)، وبنحوه قال الزجاجي في اشتقاق الأسماء (ص: 252)، والحليمي في المنهاج (1/ 201) وذكره في الأسماء التي تتبع إثبات التدبير له دون ما سِواه، ونقله البيهقي في الأسماء (ص: 58).


[19] شأن الدُّعاء (ص: 58).
قال القرطبي في الأسنى (ورقة 292 ب) بعد ذكْره لقول الخطابي: «وأصحُّ ما قِيلَ فيه ما يشهدُ له الاشتقاق»، قلتُ: وهو قول أهلِ اللغةِ أجمعين، فيما ذكرَ ابنُ الأنباري، وقال القشيري: وهو الصحيح ولم يذكر أبو حامد غيرَه.


[20] أضواء البيان (2/ 187).


[21] النونية (2/ 231 - 232).


[22] معالم التنزيل (7/ 321).


[23] رواه ابن جرير (30/ 223)، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى (17/ 220) عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس به، وفي روايته عن ابن عباس انقطاع، قال دحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس، وقال أبو حاتم: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مرسل، إنما يروي عن مجاهد والقاسم بن محمد، انظر: جامع التحصيل (ص: 294).


[24] رواه مسلم (4/ 2084).


[25] الكتاب الأسنى (ورقة 293 أ).


[26] حديث صحيح: أخرجه أحمد (4/ 24 - 25)، وأبو داود (4806) وغيرهما مِن طُرُق عن مطرِّف بن عبد الله بن الشَّخِّير به.


[27] حديث ضعيف: أخرجه أحمد (5/ 268)، والترمذي في فضائل القرآن (5/ 176/ 2911) عن بكر بن خنيس، عن ليث بن أبي سليم، عن زيد بن أرطأة، عن أبي أمامة مرفوعًا به وأوله: «ما أَذِنَ اللهُ لعبد في شيءٍ أفضلَ مِن ركعتين يصلِّيهما...» قال الترمذي: «حديث غريب، لا نعرفه إلا مِن هذا الوجه، وبكر بن خنيس قد تكلَّم فيه ابن المبارك، وتركه في آخر عمره، وقد رُوي هذا الحديث عن زيد بن أرطأة، عن جبير بن نفير، عن النبي صلى الله عليه وسلم مُرسلًا» اهـ.
ثم ساقه كما ذكر مرسلًا بلفظ: «إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضلَ مما خرج منه، يعني: القرآن»، وفي سنده أيضًا: ليث بن أبي سليم كان قد اختلط.
والحديث أخرجه أيضًا عبد الله في السُّنَّة (1/ 140) بالطريق الثاني.
لكن قد صحَّ موقوفًا على خباب رضي الله عنه، انظر: السُّنَّة لعبد الله (1/ 141 - 142).


[28] مجموع الفتاوى (17/ 238 - 241).


[29] الكتاب الأسنى (ورقة 294 أ).
والأثر عزاه الحافظ في الإصابة (2/ 30) إلى الدارقطني في كتاب الأسخياء، وزاد: «وكان سعد يقول: اللهمَّ هبْ لي مجدًا، لا مجدَ إلا بفعالٍ، ولا فعالَ إلا بمالٍ، اللهم إنه لا يُصلحني القليلُ ولا أصلحُ عليه».
ثم ذكر عن محمد بن سيرين قال: «كان سعد بن عبادة يُعَشِّي كلَّ ليلةٍ ثمانين مِن أهلِ الصُّفَّة».


[30] أخرجه البخاري في فضائل القرآن (9/ 59) عن أبي سعيد الخدري.
وله لفظ آخر مع قصة أخرجه البخاري (9/ 58، 59)، (11/ 525)، (13/ 347) عنه أيضًا، وأخرجه مسلم (1/ 557) عن عائشة، وأخرجه مسلم (1/ 557) عن أبي هريرة مرفوعًا به.


[31] أخرجه مسلم (1/ 556) عن أبي الدرداء مرفوعًا به.


[32] الفتح (9/ 61).


[33] الأسنى (ورقة 293 ب).


[34] الصواعق المرسلة (1023).


[35] الصواعق المرسلة (ص: 1023).

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣