أرشيف المقالات

رد شبه المطاعين في رواة الحديث من الصحابة (أبو هريرة نموذجا)

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
2لا دينَ إلا بسُنَّةِ سيد المرسلين (5) رد شبه المَطاعين في رواة الحديث من الصحابة (أبو هريرة نموذجًا)   عرفنا أن هناك أعداءً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتربَّصون بديننا، ويطعنون في معتقداتنا، ويسفِّهون منهجَ تفكيرنا، ويلمزون بالنقص مصادر تديُّننا، ولمَّا علموا أن الصحابة الكرام قوم اختارهم الله تعالى لحفظ سنة نبيِّنا، ونقلِها إلينا كما حضروها أو سمعوها، فكان القنطرةَ التي عليها حَملت الأحاديث، وبواسطتها بلغ البيان النبوي - أخذوا يلقون الشُّبَه حول الصحابة الكرام، ويرمون بعضهم بالكذب، أو التدليس، أو الغفلة، تشكيكًا فيما نقلوه من هذه الأحاديث النبويَّة الشريفة التي تشكِّل أساس ديننا، وصلب عقيدتنا، وأصل فهمنا لكتاب ربنا، وهو منهج لا يركبه إلا من نُزِعَتْ حرمة السابقين الأولين من صدره، وانطفأت جذوة التوقير لخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه.   فالنبي صلى الله عليه وسلم يبالغ في الوصية بأصحابه، وضرورة توقيرهم واحترام مقامهم ويقول: ((أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي))؛ ص.
الترمذي، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي))؛ ص.
ابن ماجه، فمنهم من عظم قدره بأن نزل في حقِّه قرآن، كأبي الصديق رضي الله عنه الذي نزل فيه قول الله تعالى: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ﴾ [الليل: 17، 18]، وعبدالله بن عمرو الأنصاري، الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169]، ومنهم من شَهِدَ له الرسول صلى الله عليه وسلم بالسبق إلى الجنة، كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي قال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا دَارًا أَوْ قَصْرًا، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ))؛ متفق عليه، ومنهم من كانت تضحيته في سبيل إعلاء دين الله قوية، كانت محطَّ إعجاب الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل عثمان بن عفان، الذي جهَّز جيش العسرة، فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ - مَرَّتَيْنِ))؛ ص.
الترمذي، ومنهم من أحرز شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بمحبته لله ورسوله، مثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: ((لأَدْفَعَنَّ الرَّايَةَ إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ/عَلَى يَدَيْهِ))؛ رواه أحمد، ومنهم من اهتزَّ عرشُ الرحمن لموته، كسعد بن معاذ، كما في الحديث المتفق عليه.   وهكذا تتوالى مناقب الصحابة، وتعْظُم قيمتهم في بناء صرح الإسلام، فكان من الظلم الشنيع، والجهل الفظيع أن يرميهم أحدٌ بسوء أو نقص، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سَبَّ أصحابي، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))؛ ص.
الجامع. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: "لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً، خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ"؛ ص.
ابن ماجه.   وأجمعت كلمة علماء الأمة المعتَبَرين، على أن محبة الصحابة من الدين، ومن أجمع هذه الشهادات قولُ الإمام أبي زرعة الرازي رحمه الله: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودَنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة".   ومن أعظم هؤلاء الصحابة الكرام، الذين قصدوا بالتنقيص، لما معهم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو هريرة رضي الله عنه، الذي نريد أن نجعلَه نموذجًا لاستهداف السنة عن طريق من حملوها لنا. أبو هريرة الذي كان يمنعه ورعُه وزهدُه وتقواه أن يفكِّر لحظة واحدة في التساهل في النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد نقل ابن حجر عن رجل من الطُّفاوة قال: "نَزَلْتُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ أُدْرِكْ مِن الصَّحَابَةِ رَجُلًا أَشَدَّ تَشْمِيرًا، وَلاَ أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْهُ".   وقال أبو عثمان النهدي: "تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَبْعًا، فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أَثْلاَثًا: يُصَلِّي هَذَا، ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا". وقال رضي الله عنه: "إني أجزئ الليلَ ثلاثةَ أجزاءٍ: فجزءٌ لقراءةِ القرآنِ، وجزءٌ أنام فيه، وجزءٌ أتذكَّر فيه حديثَ رسول الله". وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: "رأيت أبا هريرة يطوفُ بالسوقِ، ثم يأتي أهله فيقول: هل عندكم من شيء؟ فإن قالوا: لا، قال: فإني صائم".   وعن ابن شوذب قال: "لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له: يا أبا هريرة، ما يبكيك؟ قال: بُعْدُ المفازةِ، وقلَّةُ الزَّادِ، وعقبةٌ كؤود، المهبطُ منها إلى الجنة أو النار". أهل العبادةِ إنْ رأيتَ صلاتَهم بالليلِ تذرفُ منهم العينانِ أهل الفَضَائلِ والشَّمائلِ والنُّهى أهل المكارمِ والتُّقى والشَّانِ   صحابيٌّ جليل، بهذه العبادة، وهذه الاستقامة، وهذا الورع، لا يمكن إلا أن يكون صادقًا، متحرِّيًا، دقيقًا في كلِّ ما ينقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي بعضُ المستشرقين، ويلمزون أبا هريرة بضعف الذاكرة، وأنه كان مريضًا بالصَّرع، ولم يفهموا أنه صَرَعُ الجوع والفقر، وليس صرع الروح والعقل، قال رضي الله عنه كما نقل البخاري في الأدب المفرد: "رأيتني أصرعُ بين حجرةِ عائشةَ والمنبرِ، يقولُ الناسُ: مجنونٌ، وما بي إلا الجوعُ".   كيف يُطعن في حافظة أبي هريرة، وسلامة عقله، وقد حظي ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بأن يباركَ له في حفظِه وعلمِه؟ قال أبو هريرة: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ، قَالَ: ((ابْسُطْ رِدَاءَكَ))، فَبَسَطْتُهُ، فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((ضُمَّهُ))، فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ"؛ متفق عليه.   وهؤلاء المستشرقون ومَنْ دارَ في فلكهم من بعض الكُتَّاب المسلمين، يستكثرون على أبي هريرة أنه كان يحفظ خمسةَ آلافٍ وثلاثمائة وأربعة وسبعين حَدِيثًا، مع الشهادة أنه من العلماء من كان آيةً في الحفظ، كالبخاري الذي قال: "أحفظُ مائة ألف حديث صحيحٍ، ومائتي ألف حديث غير صحيح"؛ أي: من الأحاديث والآثار عن الصحابة وغيرهم، وكذلك أثر عن أبي زرعة أنه كان يحفظ سبعمائة ألف حديث، والأصمعي يحفظ خمسة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب، وكلُّ ذلك من بركة العلم التي فضَّل الله تعالى بها بعضَ خلقِه.   لقد شهدَ الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم لأبي هريرة بالسَّبق في رواية الحديث، واعترفوا له بمزيته عنهم في كثرة الحفظ والإتقان. وقال فيه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: "أبو هريرة خيرٌ مني، وأعلم بما يحدث". وقال طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه: "لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع". وقال الشافعي رحمه الله: "أبو هريرة أحفظُ من روى الحديث في دهره". ♦ ♦ ♦ ♦   أما سرُّ هذا الكم المحفوظ الذي حظي به أبو هريرة - فضلًا عن بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم - فشدة لصوقِه بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يخدمه على ملء بطنه، لا شُغْلَ له إلا أن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم حديثه، وهو ما أفصح عنه أبو هريرة بنفسه حين قال: "إِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا، أَلْزَمُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ، وَأَعِي حِينَ يَنْسونَ"؛ متفق عليه. ونقل الذهبي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "يا أبا هريرة، كنتَ ألزمَنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمَنا بحديثه".   ومن هذه الأسباب شدة حرصه على تتبع أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وصفاته، قال رضي الله عنه: "صَحِبْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَ سِنِينَ، لَمْ أَكُنْ فِي سِنِيِّ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِيَ الْحَدِيثَ مِنِّي فِيهِنَّ"؛ البخاري، ولقد شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الحرص حين سأله أبو هريرة قائلًا: "مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ له النبي صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ"؛ البخاري. ومن هذه الأسبابِ جرأتُه في السؤال على ما لم يكن الصحابةُ يجرؤون عليه، قال أُبيُّ بن كعب: "إن أبا هريرة كان جريئًا على أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء لا يسأله عنها غيره".   هذا أبو هريرة خادم السنة، وحامل لواء الحديث، إنه الرجل الذي أكرمه الله بألا يمر يوم إلا ويذكر في أصقاع المعمورة، وما يذكر إلا بالترضية عليه، والدعاء له، واستشعار محبته، وهو الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحببه إلى عباد الله، حتى قال رضي الله عنه: "فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلاَ يَرَانِي، إِلَّا أَحَبَّنِي"؛ مسلم. صَحِبَ النبيَّ محمدًا أصحابُه ففدَوهُ بالأرواحِ والأبدانِ واللهِ أهواكُم وقلبِي مَعْكُمُ يا صحبَ خيرِ الخلقِ والإنسانِ واللهِ ذكركمُ يعطِّرُ سمعَنا يَغْشَى مجالِسَنا بكلِّ أوانِ



شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢