لاشك أن تأثير القصص والمواقف العملية أقوى وأنفع من الكثير من الكلام النظري الذي يسهل من خلاله التنظير والمثالية.. بعيدًا عن محكِّ الواقع والتطبيق..
ولذا تجد القرآن يُكثر من ذكر مواقف وقصص السابقين لغاياتٍ، كثيرة، ولكي يجد القارئ فيها والمتدبِّر ما يُسلِّي به نفسه.. ويُثبِّت به قلبه..
- {وكذلك نقصٌّ عليك من أنباء الرسل ما نثبِّتُ به فؤادك} .. فإذا ابتُليتَ.. فلا تضجر فقد ابتُلي مَن قبلك، وإذا كُذِّبت فلا تحزن.. فلقد كُذِّب الرسل قبلك.. ولا تيأس إذا هُزمت أو حوصرت.. أو نُصر الأعداء أو ضاقت بك السٌّبُل.. فاصبر كما صبروا.. واثبت كما ثبتوا.. وكُن بالله واثقًا كما كانوا..
ليست الدروس تلك للنبي وحده.. بل هي لكل ذي عقلٍ، ولُبّ.. {لقد كان في قَصَصِهم عبرة لأولي الألباب}..
خُذ مثلًا.. لقد كان يعقوب يحب ابنه يوسف محبةً شديدة.. وحين أصيب بفقده قال: {فصبرٌ جميل.. والله المستعان على ما تصفون}.. ليس هذا موضع الشاهد !!..
العجيب في الأمر.. أنه بعد سنين من فقده وتألٌّمه من ذلك جاءت مصيبةٌ أخرى.. وزاد الطين بلّةً ففقد ابنه الآخر الغالي لديه..
في الوقت الذي كان ينتظر فيه الفرج من الله.. ويحيي الأمل في نفسه.. ويرجو أن يجد ابنه المفقود من سنين.. في هذا الوقت يفقد ابنه الآخر.. فماذا كان الموقف؟!
لقد قال كالمرة الأولى: {فصبرٌ جميل}.. ولكن ليس هذا موضع الشاهد أيضًا..
إنما الشاهد هنا أنه زاد {عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا} !!
لاحظ جيدًا.. وحين عظُم الخطبُ.. عظُم الرجاء..
وقال في ختام هذا الموقف.. {إنه لا ييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون}..
فليكن هذا _ وهو مجرد مثال من أمثلة_ درسًا للأمة في مصائبها ومحنها أن لا تيأس ولا تقنط.. بل تظل عظيمة الرجاء بالله.. قوية الثقة به..
القرآن مليء بمثل هذا.. فماذا عن السنة ؟!
في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي»..
وحين اشتكى خباب ما يلاقيه الصحابة من الأذى غضب النبي - صلى الله عليه وسلم-: ولكنه لم يعدهم أن يرتفع البلاء!!.. كلا..
بل قال: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله...» لاحظ!! وَعَد بالـمُلك الواسع!!
وحين لحق به سراقة بن مالك في طريق الهجرة _ وهو المطرود من بلده_ وعده بسوارَي كسرى!! عجبًاً.. سوارَي كسرى يا رسول الله وأنت الآن لم تملك أن تحمي نفسك في بلدك؟!.. بل تخرج عنها وأنت كاره؟! أي عظمة هذه؟! وأي ثقة تلك؟!
وحين تكالب الأحزاب حول المدينة.. وأصبح الأمر كما وصف الله.. {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا}.
في هذا الموقف.. وعد النبي - صلى الله عليه وسلم- صحابته بكنوز كسرى وقيصر!!.
حتى قال من قال من المنافقين _ وهذا دأبهم وديدنهم قديمًا وحديثًا _ ما يقول محمد؟! أحدنا لا يقدر أن يقضي حاجته.. وهو يعدكم بكنوز كسرى وقيصر!!
{وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا..}
هل هذا مجرد دغدغة مشاعر كما يقال..كلا.. أبدًا..
بل الرجاء الذي يثمر الثقة بالنفس والأمل.. الذي يحفز النفوس إلى العمل..
هذا شيءٌ من المخزون التربوي والحركي الذي يمتلئ به القرآن.. وتزخر به السنة وحين يكون المنطلق والفكر والمنهج والقول والعمل والقرار والرأي.. والحياة كلها تبنى على هذين الركنين وتنطلق من ذينك الوجهين.. وتستضيء بقبسات النور والهدى منهما تستقيم للأمة دينها ودنياها.. وحاضرها ومستقبلها..
وحين تكون المرجعية للهوى.. وآراء الرجال ومشاغبات العقول فلا ينتظر إلا مزيدًا من الذل والتيه والتخبط في زمن الهوى المتبع والشح المطاع وإعجاب كل ذي رأي برأيه.. وقل حينها على الأمة السلام. _____________________________________________________ الكاتب: تركي بن محمد اليحيى
لاشك أن تأثير القصص والمواقف العملية أقوى وأنفع من الكثير من الكلام النظري الذي يسهل من خلاله التنظير والمثالية.. بعيدًا عن محكِّ الواقع والتطبيق.. ولذا تجد القرآن يُكثر من ذكر مواقف وقصص السابقين لغاياتٍ، كثيرة، ولكي يجد القارئ فيها والمتدبِّر ما يُسلِّي به نفسه.. ويُثبِّت به قلبه.. - { وكذلك نقصٌّ عليك من أنباء الرسل ما نثبِّتُ به فؤادك } .. فإذا ابتُليتَ.. فلا تضجر فقد ابتُلي مَن قبلك، وإذا كُذِّبت فلا تحزن.. فلقد كُذِّب الرسل قبلك.. ولا تيأس إذا هُزمت أو حوصرت.. أو نُصر الأعداء أو ضاقت بك السٌّبُل.. فاصبر كما صبروا.. واثبت كما ثبتوا.. وكُن بالله واثقًا كما كانوا.. ليست الدروس تلك للنبي وحده.. بل هي لكل ذي عقلٍ، ولُبّ.. { لقد كان في قَصَصِهم عبرة لأولي الألباب }. . خُذ مثلًا.. لقد كان يعقوب يحب ابنه يوسف محبةً شديدة.. وحين أصيب بفقده قال: { فصبرٌ جميل.. والله المستعان على ما تصفون }. . ليس هذا موضع الشاهد !!.. العجيب في الأمر.. أنه بعد سنين من فقده وتألٌّمه من ذلك جاءت مصيبةٌ أخرى.. وزاد الطين بلّةً ففقد ابنه الآخر الغالي لديه.. في الوقت الذي كان ينتظر فيه الفرج من الله.. ويحيي الأمل في نفسه.. ويرجو أن يجد ابنه المفقود من سنين.. في هذا الوقت يفقد ابنه الآخر.. فماذا كان الموقف؟! لقد قال كالمرة الأولى: { فصبرٌ جميل }. . ولكن ليس هذا موضع الشاهد أيضًا.. إنما الشاهد هنا أنه زاد { عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا } !! لاحظ جيدًا.. وحين عظُم الخطبُ.. عظُم الرجاء.. وقال في ختام هذا الموقف.. { إنه لا ييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون }. . فليكن هذا _ وهو مجرد مثال من أمثلة_ درسًا للأمة في مصائبها ومحنها أن لا تيأس ولا تقنط.. بل تظل عظيمة الرجاء بالله.. قوية الثقة به.. القرآن مليء بمثل هذا.. فماذا عن السنة ؟! في الحديث القدسي: « أنا عند ظن عبدي بي ». . وحين اشتكى خباب ما يلاقيه الصحابة من الأذى غضب النبي - صلى الله عليه وسلم-: ولكنه لم يعدهم أن يرتفع البلاء!!.. كلا.. بل قال: « والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله... » لاحظ!! وَعَد بالـمُلك الواسع!! وحين لحق به سراقة بن مالك في طريق الهجرة _ وهو المطرود من بلده_ وعده بسوارَي كسرى!! عجبًاً.. سوارَي كسرى يا رسول الله وأنت الآن لم تملك أن تحمي نفسك في بلدك؟!.. بل تخرج عنها وأنت كاره؟! أي عظمة هذه؟! وأي ثقة تلك؟! وحين تكالب الأحزاب حول المدينة.. وأصبح الأمر كما وصف الله.. { إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا }. في هذا الموقف.. وعد النبي - صلى الله عليه وسلم- صحابته بكنوز كسرى وقيصر!!. حتى قال من قال من المنافقين _ وهذا دأبهم وديدنهم قديمًا وحديثًا _ ما يقول محمد؟! أحدنا لا يقدر أن يقضي حاجته.. وهو يعدكم بكنوز كسرى وقيصر!! { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا.. } هل هذا مجرد دغدغة مشاعر كما يقال..كلا.. أبدًا.. بل الرجاء الذي يثمر الثقة بالنفس والأمل.. الذي يحفز النفوس إلى العمل.. هذا شيءٌ من المخزون التربوي والحركي الذي يمتلئ به القرآن.. وتزخر به السنة وحين يكون المنطلق والفكر والمنهج والقول والعمل والقرار والرأي.. والحياة كلها تبنى على هذين الركنين وتنطلق من ذينك الوجهين.. وتستضيء بقبسات النور والهدى منهما تستقيم للأمة دينها ودنياها.. وحاضرها ومستقبلها.. وحين تكون المرجعية للهوى.. وآراء الرجال ومشاغبات العقول فلا ينتظر إلا مزيدًا من الذل والتيه والتخبط في زمن الهوى المتبع والشح المطاع وإعجاب كل ذي رأي برأيه.. وقل حينها على الأمة السلام. _____________________________________________________ الكاتب: تركي بن محمد اليحيى