وجود الأعداء سنة كونية أودعها الله عز وجل في خلقه، وهذه العداوة موجودة بين البشر والشيطان، وبين البشر بعضهم بعضًا، وبين البشر وبعض الكائنات الضارة، وبين الكائنات المختلفة. وعندما نتأمل ونتفكّر ونتدبّر، نجد أن وجود الأعداء نعمة من الله عز وجل لا تستقيم الحياة من دونها، وهذه المقالة هي محاولة للتفكّر والتدبّر في هذه النعمة. العداء مع إبليس أول عداء في تاريخ البشرية كان مع إبليس أعاذنا الله منه، حيث أخبرنا الله عز وجل في القرآن الكريم أن إبليس أعاذنا الله منه رفض واستكبر السجود لآدم، ورفض طاعة أمر الله عز وجل، فطرده الله من رحمته، وحقدًا على آدم وذريته فإنه أخذ عهدًا على نفسه بأن يضل آدم وذريته ليتبعوه، ونجح الشيطان في تحقيق أول أهدافه وأغوى أبوينا آدم وحواء فأكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها، وكان العقاب الخروج من الجنة والنزول إلى الأرض {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ}[البقرة: 36]، أي أن الله عز وجل جعل العداء موجودًا بين بني آدم كي تستقر الحياة، وفي غواية إبليس لأبوينا درس لذرية آدم إلى يوم القيامة نتعلم منه أن من يطيع الشيطان لن يدخل الجنة. والعداوة والبغضاء بين البشر تكون بفعل عدونا الأول الشيطان اللعين {أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}[يس: 60]، و{إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[فاطر: ٦]. الأعداء من البشر بل إن من سنن الله سبحانه وتعالى أنه جعل لكل نبي عدوًا {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْـمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا}[الفرقان: 31]، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْـجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}[الأنعام: 112]، وجعل الله لنبيه محمد أعداء من الكفار واليهود، وطلب الله سبحانه وتعالى منه صلى الله عليه وسلم الصبر والاقتداء بأولي العزم من الرسل {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ}[الأحقاف: 35]، فوجود الأعداء والصبر عليهم ومحاولة التغلب عليهم، يزيد أجر الأنبياء والمؤمنين، ويرفع درجاتهم يوم الدين. وكذلك قال الله تعالى في قرآنه {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا}[ الحج : 40]، فتدافع الناس بعضهم لبعض ومقاومة الظالمين والمستبدين ووجود صراع بين القوى المختلفة؛ من السنن الإلهية التي تصلح بها الحياة على الأرض، وتجعل هناك توازنًا بين القوى، فلولا خوف الناس والدول من بعضها بعضًا لما حدث التوازن في الدنيا ولما صلحت الحياة. الإسلام دين محبة وسلام الإسلام دين سلام وتحيته السلام ويدعو المسلمين إلى الوحدة ونبذ الخلاف والعداء.. يقول الله تعالى {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا}[آل عمران: 103]. ومع الأعداء يأمرنا الله أن نقاتلهم إذا اعتدوا علينا {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}[البقرة: 194]، وأن نأخذ حذرنا ونتخذ العُدة، وإذا كان هناك نية صادقة من الأعداء للسلام فيجب أن نتجه للسلام {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْـخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ 60 وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[الأنفال:60-61]. ومقاومة الأعداء لها أجر كبير عند الله يصل بالمسلم لدرجة الشهادة ، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد»( الألباني – صحيح الجامع). وعن ثواب الشهيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ، ويشفع في سبعين من أقاربه»(أخرجه الترمذي وصححه الألباني). العداء والاقتصاد العالمي ووجود الأعداء يخلق فرص عمل، حيث إن وجود العداء بين بعض الشعوب والخوف من غزو متوقع من الأعداء، جعل كل الدول تقريبًا تنشئ جيوشًا لتدافع عن نفسها، وهذه الجيوش يعمل فيها الملايين من البشر في فرص عمل دائمة، وهناك الملايين من المجندين الذين يعملون في الجيوش لفترات قصيرة، وكذلك من يعملون في أجهزة أخرى حساسة متصلة بالجيوش، مثل أجهزة المخابرات. ووجود الأعداء يخلق فرص عمل أخرى في الصناعات الحربية، فمنذ قديم الأزل كانت صناعة السيوف والدروع والسهام والرماح من الصناعات الحربية، وتطورت هذه الصناعات فأصبحت تنتج الطائرات والصواريخ والمدافع والرادارات والبنادق وغيرها من المعدات الحربية، وهذه الصناعات تنتجها آلاف المصانع، ويعمل فيها ملايين البشر في العالم، وذلك غير من يعملون في المهن الأخرى المتصلة بهذه الصناعات، مثل عمليات النقل والتجارة، بل إن تجارة السلاح هي واحد من أكثر أنواع التجارة ربحًا، وحجم تجارة الأسلحة في العالم يمثل العديد من مليارات الدولارات سنويًا. العداء والتقدم العلمي وجود الأعداء كان سببًا في التقدم العلمي في عدة مجالات، مثل: مجالات الفضاء، والطاقة والاتصالات... وغيرها. ففي مجال علوم الفضاء كان للصواريخ بعيدة المدى فضل في تقدم علم الفلك، حيث إن هذه الصواريخ تحمل سفن الفضاء التي يتم إطلاقها لتصل إلى سطح القمر، بل كان العداء أثناء الحرب الباردة في القرن الماضي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق؛ سببًا في احتدام السباق بينهما في برامج الفضاء واستكشاف القمر وتقدم علم الفلك. وكذلك لعبت هذه الصواريخ دورًا في إطلاق الأقمار الصناعية لتدور في مداراتها حول الأرض، والأقمار الصناعية كما هو معلوم لها مجالات عديدة، مثل: الإعلام وبث القنوات والإذاعات الفضائية، والاستشعار عن بُعد لكشف ثروات الأرض في باطن التربة... وغير ذلك. فهل تخيلنا لو لم توجد الصواريخ التي تستخدم في الحروب هل كان علم الفضاء يستطيع التقدم؟ وهل كنا نستطيع التمتع بمزايا الأقمار الصناعية؟ والتقنيات التي تستخدمها الجيوش أيضًا كانت دافعًا للتقدم في علوم أخرى، مثلًا علوم الذرة التي تقدمت بسرعة بعد الحرب العالمية الثانية وإلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما ونجازاكي في اليابان من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، فشرعت الدول الكبرى في العالم في عمل برنامج نووي لإنتاج قنابل نووية، ونشط هذا المجال من العلوم ونشطت استخدامات أخرى وفروع أخرى لهذه العلوم، مثل: إنتاج الطاقة النووية، وغيرها من مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. بل إن أجهزة الرادار التي تستخدمها الجيوش كأحد أهم أسلحة الدفاع الجوي لرصد الصواريخ المعادية، مستوحاة من الخفافيش التي تمثل أعداء للبشرية، فالخفاش مصاص الدماء الذي يمص دماء الحيوانات الأليفة في أمريكا الجنوبية؛ هذه الأجهزة تستخدمها أجهزة المرور في مراقبة السيارات في مختلف أنحاء العالم. والأعداء من الكائنات الحية التي تسبب أضرارًا للبشرية، هي الدافع الرئيسي لتقدم العديد من العلوم التجريبية، مثل الطب والزراعة وغيرهما.
الأعداء والتوازن البيئي وكذلك الأعداء الطبيعية في البيئة نعمة إلهية من دونها يحدث اختلال للتوازن البيئي ويكون هناك أضرار جسيمة، والعلاقات المختلفة بين الكائنات المعادية لبعضها بعضًا لها حكم إلهية من الله عز وجل، فمثلًا - كما يقدر العلماء - لو لم يكن هناك أعداء طبيعية لحشرات الصراصير لاستطاعت أن تغطي الأرض كلها في فترة وجيزة بسبب سرعة تكاثرها. وكذلك لو لم يكن في الغابة حيوانات مفترسة، مثل الأسد والنمر، لتكاثرت الحيوانات الآكلة للأعشاب بصورة كبيرة ولما وجدت ما تأكله. وتدخُّل الإنسان غير المحسوب يؤدي إلى الإخلال بالتوازن البيئي، مثل التوسع في استخدام المبيدات للقضاء على الآفات الضارة، ما يتسبب في القضاء على الكائنات الصديقة والمفيدة، فمثلًا التوسع في استخدام سم الفئران يتسبب في تغذية القطط على هذه الفئران الميتة، أو تأكل الفئران السم مباشرةً، ما يقلل عدد القطط، ويزيد من عدد الفئران، فمن العقل والمنطق أن نحافظ على الأعداء الطبيعية للآفات لتساعدنا في القضاء عليها ويحدث التوازن البيئي.
ترويض الأعداء من الكائنات ويمكننا بالعلم أن نروض الأعداء من الكائنات.. بالعلم نستطيع أن نحول الأعداء من الكائنات إلى أصدقاء، فهناك أمثلة كثيرة على ذلك عبر تاريخ البشرية التي استفاد فيها الإنسان من الأعداء الطبيعية التي تسبب له إزعاجًا، سواء كان ذلك إزعاجًا مباشرًا له، أو لنباتات الحقول التي يزرعها، أو الحيوانات الأليفة التي يربيها. فمثلًا النجيلة التي تسبب مشكلة كبيرة للمزارعين عندما تنمو في الحقول وتأخذ منهم وقتًا وجهدًا لمقاومتها، استطاع الإنسان أن يستفيد منها ويزرعها في ملاعب كرة القدم، فملاعب النجيلة الطبيعية هي أساس كرة القدم حاليًا في العالم على المستوى الاحترافي. والفئران التي تمثل مصدر إزعاج لأغلب الناس، وتسبب خسائر اقتصادية في المنازل والحقول؛ رغم ذلك تدين لها البشرية بالفضل في التقدم في علوم الطب والصيدلة وغيرها من العلوم البيولوجية، فلولا استخدام هذه الحيوانات «فئران التجارب» لتجريب العقاقير والأدوية كمرحلة من مراحل العديد من الأبحاث الدوائية، ما تمكن الباحثون في العالم من ابتكار الأدوية لعلاج العديد من الأمراض. وبكتيريا أجروبكتيريم التي تسبب مرض التدرن التاجي في العديد من المحاصيل الزراعية المهمة، مثل القطن والقمح وغيرها، وتسبب خسائر اقتصادية في هذه المحاصيل؛ لعبت دورًا مهمًا في تقدم علم الهندسة الوراثية وتُستخدم في نقل الجينات إلى النباتات لتحسين صفاتها الوراثية. بكتيريا «زانثومونس كمبسترس» التي تسبب الأمراض لكثير من النباتات ذات الأهمية الاقتصادية، يمكن استخدامها لإنتاج مادة الزانثان التي لها أهمية اقتصادية كبيرة في صناعة الأدوية والصناعات الغذائية. وكذلك يمكن تجنيد بعض الميكروبات الممرضة للإنسان فيما يشبه استخدام أجهزة المخابرات للجواسيس، وذلك عن طريق المصل واللقاح، فالمصل يتم تحضيره من خلال حقن الميكروب الممرض في جسم أحد الحيوانات، مثل الحصان الذي ينتج جسمه أجسامًا مضادة ضد هذا الميكروب، ثم يأخذ دم من هذا الحيوان ويتم تنقية الأجسام المضادة وتحضيرها معمليًا في صورة حقن، مثل: مصل داء الكلب، ومصل التيتانوس، ويتم إعطاؤه للعلاج والوقاية السريعة، ويستمر مفعوله في الجسم لفترة قصيرة (لا تزيد على 3 أو 4 أسابيع)، أما اللقاح (أو الطُعم) فإن جسم الإنسان هو الذي ينتج الأجسام المضادة، حيث يتم إعطاء الإنسان الميكروب إما ميتًا أو تم إضعافه بصورة كبيرة، وحينما يتم الحقن يبدأ الجسم بتكوين أجسام مضادة، ويدوم مفعول اللقاح في الجسم لفترة طويلة، ويتم إعطاؤه للوقاية الطويلة المفعول من الأمراض، ويستمر مفعوله في لجسم لمدة قد تمتد لعدة سنوات، مثل لقاح شلل الأطفال والحصبة. أي أن المصل هو أجسام مضادة جاهزة، أما اللقاح فالجسم نفسه ينتج أجسامًا مضادة، أي أنه تم تجنيد ميكروبات للوقاية من أخطار جيوش نفس الأنواع من الميكروبات.
المكافحة الحيوية يمكننا أن نستخدم الكائنات الصديقة لنا أو بعضًا من منتجاتها في مقاومة أعدائها من الآفات الضارة لنا فيما يُعرف بـ «المكافحة الحيوية»، فمثلًا استغل العلماء علاقات التطفل والافتراس والكائنات الممرضة في مكافحة الحشرات التي تصيب النباتات. الافتراس هو مهاجمة كائن حي (المفترس) لكائن حي آخر (الفريسة) والتهامه جزئيًا أو كليًا تاركًا إياه ميتًا أو مشرفًا على الموت ، ومن أهم المفترسات حشرات أبو العيد وأسد المنّ وغيرها التي تفترس العديد من الحشرات الضارة. أما التطفل فهو مهاجمة كائن حي (المتطفل) لكائن حي آخر (العائل) في أحد أطواره، واعتماده عليه في غذائه وتطوره، مسببًا له الموت في النهاية، مثل طفيل التريكو جراما الذي يتطفل على بيض حشرات حرشفيات الأجنحة، مثل: ديدان اللوز على القطن، ودودة ثمار التفاح، ودودة ثمار العنب. وكذلك تستخدم الميكروبات التي تسبب أمراضًا للحشرات الضارة في القضاء على هذه الحشرات. وكذلك يقوم العلماء بالاستفادة من علاقة العداء في القضاء على الحشائش، حيث إنه يتم استخدام بعض الميكروبات التي تصيب الحشائش ولا تؤثر في نباتات المحاصيل الحقلية أو البستانية في مكافحة هذه الحشائش. وفي المقاومة الحيوية أيضًا يتم ترويض الأعداء، حيث إن البكتيريا المسببة للعفن البني للبطاطس (رالستونيا سولاناسيرم) من أخطر أنواع البكتيريا على الاقتصاد العالمي، هذه البكتيريا تصيب أكثر من 200 نبات تنتمي لأكثر من 50 عائلة نباتية تمكّن العلماء في أستراليا من استخدامها لمقاومة الحشائش التي تنمو في الغابات، حيث إنها لا تصيب أشجار هذه الغابات وتصيب الحشائش فقط. بل تستخدم فيروسات تصيب البكتيريا في مكافحة الأمراض البكتيرية التي تصيب الإنسان والحيوان والنبات، حيث إن هناك فيروسات تستطيع أن تصيب البكتيريا وتقضي عليها، ويُعرف هذا الأسلوب بـ «العلاج بالفيروسات». كذلك يمكن استخدام بعض الزيوت العطرية وبعض المركبات التي يتم استخلاصها من بعض النباتات الطبية، مثل: الينسون، والزعتر، والشمر، وحبة البركة؛ في مكافحة الميكروبات الممرضة للنبات والحيوان والإنسان، وتستخدم هذه المركبات في صناعة الأدوية والمبيدات في جميع أنحاء العالم لمكافحة الميكروبات الضارة. كذلك استغل الإنسان الأسلحة التي تستخدمها الميكروبات ضد بعضها أثناء تنافسها في البيئة، فالمضادات الحيوية تعدُّ أسلحة تستخدمها هذه الميكروبات للقضاء على غيرها من الميكروبات الأخرى، فمثلًا يستطيع فطر البنيسيليوم أن ينتج المضاد الحيوي «البنسيلين» الذي يقضي على ميكروبات أخرى، واستغل العلماء هذا المضاد الحيوي بعد استخلاصه وتنقيته في علاج كثير من الأمراض والقضاء على كثير من الميكروبات الممرضة. فهذه محاولة للتفكر في نعمة وجود الأعداء، والسنة الكونية لوجود العداء، ومحاولة لذكر القليل من أفضال هذه النعمة {وَإن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ الإنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}[إبراهيم: 34]، {وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}[النحل: 18]. ___________________________ الكاتب: د. زياد موسى عبدالمعطي أحمد
وجود الأعداء سنة كونية أودعها الله عز وجل في خلقه، وهذه العداوة موجودة بين البشر والشيطان، وبين البشر بعضهم بعضًا، وبين البشر وبعض الكائنات الضارة، وبين الكائنات المختلفة. وعندما نتأمل ونتفكّر ونتدبّر، نجد أن وجود الأعداء نعمة من الله عز وجل لا تستقيم الحياة من دونها، وهذه المقالة هي محاولة للتفكّر والتدبّر في هذه النعمة. العداء مع إبليس أول عداء في تاريخ البشرية كان مع إبليس أعاذنا الله منه، حيث أخبرنا الله عز وجل في القرآن الكريم أن إبليس أعاذنا الله منه رفض واستكبر السجود لآدم، ورفض طاعة أمر الله عز وجل، فطرده الله من رحمته، وحقدًا على آدم وذريته فإنه أخذ عهدًا على نفسه بأن يضل آدم وذريته ليتبعوه، ونجح الشيطان في تحقيق أول أهدافه وأغوى أبوينا آدم وحواء فأكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها، وكان العقاب الخروج من الجنة والنزول إلى الأرض { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ } [البقرة: 36]، أي أن الله عز وجل جعل العداء موجودًا بين بني آدم كي تستقر الحياة، وفي غواية إبليس لأبوينا درس لذرية آدم إلى يوم القيامة نتعلم منه أن من يطيع الشيطان لن يدخل الجنة. والعداوة والبغضاء بين البشر تكون بفعل عدونا الأول الشيطان اللعين { أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } [يس: 60]، و { إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [فاطر: ٦]. الأعداء من البشر بل إن من سنن الله سبحانه وتعالى أنه جعل لكل نبي عدوًا { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْـمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا } [الفرقان: 31]، { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْـجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } [الأنعام: 112]، وجعل الله لنبيه محمد أعداء من الكفار واليهود، وطلب الله سبحانه وتعالى منه صلى الله عليه وسلم الصبر والاقتداء بأولي العزم من الرسل { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } [الأحقاف: 35]، فوجود الأعداء والصبر عليهم ومحاولة التغلب عليهم، يزيد أجر الأنبياء والمؤمنين، ويرفع درجاتهم يوم الدين. وكذلك قال الله تعالى في قرآنه { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } [ الحج : 40]، فتدافع الناس بعضهم لبعض ومقاومة الظالمين والمستبدين ووجود صراع بين القوى المختلفة؛ من السنن الإلهية التي تصلح بها الحياة على الأرض، وتجعل هناك توازنًا بين القوى، فلولا خوف الناس والدول من بعضها بعضًا لما حدث التوازن في الدنيا ولما صلحت الحياة. الإسلام دين محبة وسلام الإسلام دين سلام وتحيته السلام ويدعو المسلمين إلى الوحدة ونبذ الخلاف والعداء.. يقول الله تعالى { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا } [آل عمران: 103]. ومع الأعداء يأمرنا الله أن نقاتلهم إذا اعتدوا علينا { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [البقرة: 194]، وأن نأخذ حذرنا ونتخذ العُدة، وإذا كان هناك نية صادقة من الأعداء للسلام فيجب أن نتجه للسلام { وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْـخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ 60 وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [الأنفال:60-61]. ومقاومة الأعداء لها أجر كبير عند الله يصل بالمسلم لدرجة الشهادة ، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد » ( الألباني – صحيح الجامع). وعن ثواب الشهيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ، ويشفع في سبعين من أقاربه » (أخرجه الترمذي وصححه الألباني). العداء والاقتصاد العالمي ووجود الأعداء يخلق فرص عمل، حيث إن وجود العداء بين بعض الشعوب والخوف من غزو متوقع من الأعداء، جعل كل الدول تقريبًا تنشئ جيوشًا لتدافع عن نفسها، وهذه الجيوش يعمل فيها الملايين من البشر في فرص عمل دائمة، وهناك الملايين من المجندين الذين يعملون في الجيوش لفترات قصيرة، وكذلك من يعملون في أجهزة أخرى حساسة متصلة بالجيوش، مثل أجهزة المخابرات. ووجود الأعداء يخلق فرص عمل أخرى في الصناعات الحربية، فمنذ قديم الأزل كانت صناعة السيوف والدروع والسهام والرماح من الصناعات الحربية، وتطورت هذه الصناعات فأصبحت تنتج الطائرات والصواريخ والمدافع والرادارات والبنادق وغيرها من المعدات الحربية، وهذه الصناعات تنتجها آلاف المصانع، ويعمل فيها ملايين البشر في العالم، وذلك غير من يعملون في المهن الأخرى المتصلة بهذه الصناعات، مثل عمليات النقل والتجارة، بل إن تجارة السلاح هي واحد من أكثر أنواع التجارة ربحًا، وحجم تجارة الأسلحة في العالم يمثل العديد من مليارات الدولارات سنويًا. العداء والتقدم العلمي وجود الأعداء كان سببًا في التقدم العلمي في عدة مجالات، مثل: مجالات الفضاء، والطاقة والاتصالات... وغيرها. ففي مجال علوم الفضاء كان للصواريخ بعيدة المدى فضل في تقدم علم الفلك، حيث إن هذه الصواريخ تحمل سفن الفضاء التي يتم إطلاقها لتصل إلى سطح القمر، بل كان العداء أثناء الحرب الباردة في القرن الماضي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق؛ سببًا في احتدام السباق بينهما في برامج الفضاء واستكشاف القمر وتقدم علم الفلك. وكذلك لعبت هذه الصواريخ دورًا في إطلاق الأقمار الصناعية لتدور في مداراتها حول الأرض، والأقمار الصناعية كما هو معلوم لها مجالات عديدة، مثل: الإعلام وبث القنوات والإذاعات الفضائية، والاستشعار عن بُعد لكشف ثروات الأرض في باطن التربة... وغير ذلك. فهل تخيلنا لو لم توجد الصواريخ التي تستخدم في الحروب هل كان علم الفضاء يستطيع التقدم؟ وهل كنا نستطيع التمتع بمزايا الأقمار الصناعية؟ والتقنيات التي تستخدمها الجيوش أيضًا كانت دافعًا للتقدم في علوم أخرى، مثلًا علوم الذرة التي تقدمت بسرعة بعد الحرب العالمية الثانية وإلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما ونجازاكي في اليابان من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، فشرعت الدول الكبرى في العالم في عمل برنامج نووي لإنتاج قنابل نووية، ونشط هذا المجال من العلوم ونشطت استخدامات أخرى وفروع أخرى لهذه العلوم، مثل: إنتاج الطاقة النووية، وغيرها من مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. بل إن أجهزة الرادار التي تستخدمها الجيوش كأحد أهم أسلحة الدفاع الجوي لرصد الصواريخ المعادية، مستوحاة من الخفافيش التي تمثل أعداء للبشرية، فالخفاش مصاص الدماء الذي يمص دماء الحيوانات الأليفة في أمريكا الجنوبية؛ هذه الأجهزة تستخدمها أجهزة المرور في مراقبة السيارات في مختلف أنحاء العالم. والأعداء من الكائنات الحية التي تسبب أضرارًا للبشرية، هي الدافع الرئيسي لتقدم العديد من العلوم التجريبية، مثل الطب والزراعة وغيرهما. الأعداء والتوازن البيئي وكذلك الأعداء الطبيعية في البيئة نعمة إلهية من دونها يحدث اختلال للتوازن البيئي ويكون هناك أضرار جسيمة، والعلاقات المختلفة بين الكائنات المعادية لبعضها بعضًا لها حكم إلهية من الله عز وجل، فمثلًا - كما يقدر العلماء - لو لم يكن هناك أعداء طبيعية لحشرات الصراصير لاستطاعت أن تغطي الأرض كلها في فترة وجيزة بسبب سرعة تكاثرها. وكذلك لو لم يكن في الغابة حيوانات مفترسة، مثل الأسد والنمر، لتكاثرت الحيوانات الآكلة للأعشاب بصورة كبيرة ولما وجدت ما تأكله. وتدخُّل الإنسان غير المحسوب يؤدي إلى الإخلال بالتوازن البيئي، مثل التوسع في استخدام المبيدات للقضاء على الآفات الضارة، ما يتسبب في القضاء على الكائنات الصديقة والمفيدة، فمثلًا التوسع في استخدام سم الفئران يتسبب في تغذية القطط على هذه الفئران الميتة، أو تأكل الفئران السم مباشرةً، ما يقلل عدد القطط، ويزيد من عدد الفئران، فمن العقل والمنطق أن نحافظ على الأعداء الطبيعية للآفات لتساعدنا في القضاء عليها ويحدث التوازن البيئي. ترويض الأعداء من الكائنات ويمكننا بالعلم أن نروض الأعداء من الكائنات.. بالعلم نستطيع أن نحول الأعداء من الكائنات إلى أصدقاء، فهناك أمثلة كثيرة على ذلك عبر تاريخ البشرية التي استفاد فيها الإنسان من الأعداء الطبيعية التي تسبب له إزعاجًا، سواء كان ذلك إزعاجًا مباشرًا له، أو لنباتات الحقول التي يزرعها، أو الحيوانات الأليفة التي يربيها. فمثلًا النجيلة التي تسبب مشكلة كبيرة للمزارعين عندما تنمو في الحقول وتأخذ منهم وقتًا وجهدًا لمقاومتها، استطاع الإنسان أن يستفيد منها ويزرعها في ملاعب كرة القدم، فملاعب النجيلة الطبيعية هي أساس كرة القدم حاليًا في العالم على المستوى الاحترافي. والفئران التي تمثل مصدر إزعاج لأغلب الناس، وتسبب خسائر اقتصادية في المنازل والحقول؛ رغم ذلك تدين لها البشرية بالفضل في التقدم في علوم الطب والصيدلة وغيرها من العلوم البيولوجية، فلولا استخدام هذه الحيوانات «فئران التجارب» لتجريب العقاقير والأدوية كمرحلة من مراحل العديد من الأبحاث الدوائية، ما تمكن الباحثون في العالم من ابتكار الأدوية لعلاج العديد من الأمراض. وبكتيريا أجروبكتيريم التي تسبب مرض التدرن التاجي في العديد من المحاصيل الزراعية المهمة، مثل القطن والقمح وغيرها، وتسبب خسائر اقتصادية في هذه المحاصيل؛ لعبت دورًا مهمًا في تقدم علم الهندسة الوراثية وتُستخدم في نقل الجينات إلى النباتات لتحسين صفاتها الوراثية. بكتيريا «زانثومونس كمبسترس» التي تسبب الأمراض لكثير من النباتات ذات الأهمية الاقتصادية، يمكن استخدامها لإنتاج مادة الزانثان التي لها أهمية اقتصادية كبيرة في صناعة الأدوية والصناعات الغذائية. وكذلك يمكن تجنيد بعض الميكروبات الممرضة للإنسان فيما يشبه استخدام أجهزة المخابرات للجواسيس، وذلك عن طريق المصل واللقاح، فالمصل يتم تحضيره من خلال حقن الميكروب الممرض في جسم أحد الحيوانات، مثل الحصان الذي ينتج جسمه أجسامًا مضادة ضد هذا الميكروب، ثم يأخذ دم من هذا الحيوان ويتم تنقية الأجسام المضادة وتحضيرها معمليًا في صورة حقن، مثل: مصل داء الكلب، ومصل التيتانوس، ويتم إعطاؤه للعلاج والوقاية السريعة، ويستمر مفعوله في الجسم لفترة قصيرة (لا تزيد على 3 أو 4 أسابيع)، أما اللقاح (أو الطُعم) فإن جسم الإنسان هو الذي ينتج الأجسام المضادة، حيث يتم إعطاء الإنسان الميكروب إما ميتًا أو تم إضعافه بصورة كبيرة، وحينما يتم الحقن يبدأ الجسم بتكوين أجسام مضادة، ويدوم مفعول اللقاح في الجسم لفترة طويلة، ويتم إعطاؤه للوقاية الطويلة المفعول من الأمراض، ويستمر مفعوله في لجسم لمدة قد تمتد لعدة سنوات، مثل لقاح شلل الأطفال والحصبة. أي أن المصل هو أجسام مضادة جاهزة، أما اللقاح فالجسم نفسه ينتج أجسامًا مضادة، أي أنه تم تجنيد ميكروبات للوقاية من أخطار جيوش نفس الأنواع من الميكروبات. المكافحة الحيوية يمكننا أن نستخدم الكائنات الصديقة لنا أو بعضًا من منتجاتها في مقاومة أعدائها من الآفات الضارة لنا فيما يُعرف بـ «المكافحة الحيوية»، فمثلًا استغل العلماء علاقات التطفل والافتراس والكائنات الممرضة في مكافحة الحشرات التي تصيب النباتات. الافتراس هو مهاجمة كائن حي (المفترس) لكائن حي آخر (الفريسة) والتهامه جزئيًا أو كليًا تاركًا إياه ميتًا أو مشرفًا على الموت ، ومن أهم المفترسات حشرات أبو العيد وأسد المنّ وغيرها التي تفترس العديد من الحشرات الضارة. أما التطفل فهو مهاجمة كائن حي (المتطفل) لكائن حي آخر (العائل) في أحد أطواره، واعتماده عليه في غذائه وتطوره، مسببًا له الموت في النهاية، مثل طفيل التريكو جراما الذي يتطفل على بيض حشرات حرشفيات الأجنحة، مثل: ديدان اللوز على القطن، ودودة ثمار التفاح، ودودة ثمار العنب. وكذلك تستخدم الميكروبات التي تسبب أمراضًا للحشرات الضارة في القضاء على هذه الحشرات. وكذلك يقوم العلماء بالاستفادة من علاقة العداء في القضاء على الحشائش، حيث إنه يتم استخدام بعض الميكروبات التي تصيب الحشائش ولا تؤثر في نباتات المحاصيل الحقلية أو البستانية في مكافحة هذه الحشائش. وفي المقاومة الحيوية أيضًا يتم ترويض الأعداء، حيث إن البكتيريا المسببة للعفن البني للبطاطس (رالستونيا سولاناسيرم) من أخطر أنواع البكتيريا على الاقتصاد العالمي، هذه البكتيريا تصيب أكثر من 200 نبات تنتمي لأكثر من 50 عائلة نباتية تمكّن العلماء في أستراليا من استخدامها لمقاومة الحشائش التي تنمو في الغابات، حيث إنها لا تصيب أشجار هذه الغابات وتصيب الحشائش فقط. بل تستخدم فيروسات تصيب البكتيريا في مكافحة الأمراض البكتيرية التي تصيب الإنسان والحيوان والنبات، حيث إن هناك فيروسات تستطيع أن تصيب البكتيريا وتقضي عليها، ويُعرف هذا الأسلوب بـ «العلاج بالفيروسات». كذلك يمكن استخدام بعض الزيوت العطرية وبعض المركبات التي يتم استخلاصها من بعض النباتات الطبية، مثل: الينسون، والزعتر، والشمر، وحبة البركة؛ في مكافحة الميكروبات الممرضة للنبات والحيوان والإنسان، وتستخدم هذه المركبات في صناعة الأدوية والمبيدات في جميع أنحاء العالم لمكافحة الميكروبات الضارة. كذلك استغل الإنسان الأسلحة التي تستخدمها الميكروبات ضد بعضها أثناء تنافسها في البيئة، فالمضادات الحيوية تعدُّ أسلحة تستخدمها هذه الميكروبات للقضاء على غيرها من الميكروبات الأخرى، فمثلًا يستطيع فطر البنيسيليوم أن ينتج المضاد الحيوي «البنسيلين» الذي يقضي على ميكروبات أخرى، واستغل العلماء هذا المضاد الحيوي بعد استخلاصه وتنقيته في علاج كثير من الأمراض والقضاء على كثير من الميكروبات الممرضة. فهذه محاولة للتفكر في نعمة وجود الأعداء، والسنة الكونية لوجود العداء، ومحاولة لذكر القليل من أفضال هذه النعمة { وَإن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ الإنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [إبراهيم: 34]، { وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [النحل: 18]. ___________________________ الكاتب: د. زياد موسى عبدالمعطي أحمد