أرشيف المقالات

مسائل في أحكام المياه

مدة قراءة المادة : 16 دقائق .
2مسائل في أحكام المياه   مسألة (1): ما هي أقسام المياه؟ تُقسم المياه شرعًا إلى ثلاثة أقسام: الأول: الماء الطَّهور[1]، والثاني: الماء الطاهر[2]، والثالث: الماء النجس[3]. وهو قول المذاهب الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة).   مسألة (2): حكم الطهارة بماء البحر تصحُّ الطهارةُ بماء البحر؛ لأنه طَهور(أي طاهر في ذاته ومطهر لغيره).
والدليل علي طهارة ماء البحار؛ حديث أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال )):سأل رجلٌ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ الله، إنَّا نركبُ البحرَ، ونحمِل معنا القليلَ مِنَ الماءِ، فإنْ توضَّأْنا به عَطِشْنا، أفنتوضَّأُ مِن ماءِ البَحرِ؟ فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هو الطَّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيتتُه[4]))[5]. وهو مذهب الأئمة الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة).   مسألة (3): حكم الطهارة بماء المطر تصحُّ الطهارةُ بما نزل من السماء مِن مطر وثَلْج وبَرَد؛ لأنه ماء مطلق وقد نص الله تعالى على جواز التطهر بماء المطر، فقال تعالي:﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ [الأنفال: 11].   ومن الأدلة كذلك، ما ثبَت عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا كبَّرَ في الصلاة سَكَت هُنيَّةً قبل أن يقرأَ، فقلت: يا رسولَ الله، بأبي أنتَ وأمِّي، أرأيتَ سكوتَك بيْن التكبير والقِراءة، ما تقول؟ قال: ((أقول: اللهمَّ باعِدْ بيْني وبيْن خَطاياي[6] كما باعدْتَ بين المشرِق والمغرِب، اللهمَّ نقِّني[7] مِن خطاياي كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنَس[8]، اللهمَّ اغْسِلْني مِن خطاياي بالثَّلْجِ والماءِ والبَرَد[9])) [10].   مسألة (4) حكم الطهارة بماء البئر تصحُّ الطهارةُ بماء البئر؛ والدليل حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال: ((قيل: يا رسولَ الله، أنتوضَّأُ من بئر بُضاعةَ؟ وهي بِئرٌ يُلقى فيها الحِيَضُ[11] ولحومُ الكِلابِ والنَّتْنُ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ الماءَ طَهورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ))[12].   فائدة: لم يكن الصحابة رضوان الله عليهم يلقون النجاسات في البئر عمدًا، وإنما كما قال الإمام الخطابي (رحمه الله): "كان ذلك من أجل أن هذا البئر موضعها في حدور من الأرض ، وأن السيول كانت تكشح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها وتلقيها فيها" (عون المعبود)   مسألة (5): حكم الطهارة بماء الورد وماء الزعفران لا تصحُّ الطهارةُ بالماء الذي أُضيف إليه شيءٌ آخَرُ فغيَّره (أي غير أحد أوصافه: الطعم، أو اللَّوْن، أو الرائحة) تغييرًا يُخرِجه عن إطلاقِ اسم الماء عليه، كماءِ الورد، وماء الزعفران، ونحوهما. قال ابن المنذر (رحمه الله)  :أجمعوا على أن الوضوء لا يجوز بماء الورد[13] وماء الشجر[14] وماء العصفر[15]، ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق يقع عليه اسم الماء.
(الإجماع)   مسألة (6): حكم الطهارة بالماء المستعمل[16] يجوز الطهارة بالماء المستعمل ولا فرق بينه وبين الماء المطلق أي: إنَّه ( طاهرٌ مُطهِّر).
ومن الأدلة علي ذلك: 1- عموم قولِه - تعالى -: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴾ [المائدة: 6]، وهذا (ماء)، ولم يأتِ دليلٌ ينصُّ على خروجِه عن طهوريته، فيبقى على حُكْمه.   2- حديث الرُّبيِّع بنتِ مُعوِّذ - رضي الله عنها -: (( أنَّ رَسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مسَح رأسَه مِن فضْل ماءٍ كان بيده))[17].   وهو قول ابن المنذر، وابن حزم، واختيار ابن تيمية، وابن القيم، وقال به الصنعاني والشوكاني، وقول ابن باز وابن عثيمين.
( عليهم رحمة الله تعالى ).   مسألة (7): حكم الطهارة بالماء الذي خالطه شئ طاهر أ‌- إذا اختلط الماء الطهور بشيء طاهر، ولم يتغير لونه، ولا طعمه، ولا ريحه، فهو باقٍ على طهوريته، لأن الماء باق على إطلاقه. ب‌- وكذلك لو تغير تغيرًا يسيرًا لكنه مازال يطلق عليه مسمى الماء فهو طهور يجوز الطهارة به.
ومن الأدلة علي ذلك: عن أمِّ هانئٍ رضي الله عنها قالتْ:(( اغتَسَل النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وميمونةُ مِن إناء واحِدٍ مِن قصعة فيها أثَر العَجين))[18]. ج‌- أما إذا اختلط الماء الطهور بشيء طاهر، فغيَّره تغيراً يُخرجه عن اسم الماء، فهذا لا يصح التطهر به قولا واحداً.   مسألة(8): حكم الماء الكثير الذي خالطته نجاسة فغيرت أحد أوصافه إذا تغيَّر بهذه النجاسةِ أحدُ أوصاف الماء، وهي: طعمه، أو لونه، أو ريحه، فإنَّ الماء يصير نَجِسًا، والدليلُ على ذلك: الإجماعُ. قال ابن المنذر (رحمه الله): "أجْمعوا على أنَّ الماء القليلَ أو الكثير إذا وقعَتْ فيه نجاسةٌ، فغيَّرت للماء طعمًا أو لونًا أو رِيحًا: أنَّه نجِسٌ ما دام كذلك".   مسألة(9): حكم الماء القليل الذي خالطته نجاسة فلم تغير أحد أوصافه إذا لم يتغيَّرْ أحدُ أوصافه السابقة، فالماء على أصله: (طاهِر مطهِّر)، سواء في ذلك قليلُ الماء وكثيرُه.
والدليلُ على ذلك: حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ - رضي الله عنه - قال: قيل: يا رسولَ الله، أنتوضَّأ مِن بِئر بُضاعَة - وهي بِئرٌ يُلقَى فيها الحِيَضُ ولحومُ الكلاب والنَّتَن - فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الماءُ طَهورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ))[19]. وهذا هو مذهب المالكية، ورواية عن الإمام أحمد، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، واختاره ابن باز، وابن عثيمين (رحمهم الله جميعًا) .   مسألة (11): حكم الماء إذا وقع فيه تراب فغيره إذا وقَع ترابٌ في الماء: لا يَمنع طهوريةَ الماء؛ لأنَّ الترابَ يُوافِق الماءَ في صِفتيه: الطهارة والطهورية، ولأنَّ صاحبَه واجدٌ للماءِ. قال ابن باز(رحمه الله) : ما دام اسم الماء باقياً ، وإنما وقع فيه شيء من الطاهرات؛ كالتراب، والتبن، مما لا يسلبه اسم الماء فهذا لا يضره.   مسألة (12): حكم الماء الآجن[20] حُكمه: أنَّه باقٍ على إطلاقه ويجوز التطهر به، والدليل: الإجماع. قال ابن المنذر(رحمه الله):"وأجْمعوا على أنَّ الوضوءَ بالماء الآجِن من غير نجاسةٍ حلَّتْ فيه، جائزٌ.(أي يجوز استعماله في الطهارة وغيرها ).   مسألة (13): حكم الوضوء بالماء المشمس والماء الساخن يجوز الوضوء بالماء المشمَّس والماء الساخِن: وليس هناك دليلٌ يمنع مِن استعمالهما، بل ثبَت عن عمرَ - رضي الله عنه -: ((أنَّه كان يُسخَّن له الماء في قُمقُم[21]، فيغتسِل به))[22]. وعن أيوب قال: )) سألتُ نافعًا عن الماء الساخِن؟ فقال: "كان ابنُ عمر يَغتسِل بالحميم[23]))[24]. وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن استخدام الماء المشمس والسخانات الشمسية.
فأجابوا: " لا نعلم دليلا صحيحا يمنع من استعمال الماء المشمس ".انتهي وهو مذهب الحنابلة، واختاره بعض المالكية، ورجحه النووي من الشافعية، وهو مذهب الظاهرية.   مسألة (14): حكم الوضوء بماء زمزم يجوز الوضوء بماء زمزم: فعن عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -: ((أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - دعَا بسَجْلٍ[25] مِن ماء زمزم، فشَرِب منه وتوضَّأ))[26]. ويجوز استعمال ماء زمزم في رفع الحدث وفي إزالة الخبث، لكن إن وجد غيره في إزالة الخبث، فتركه أولى، وإن لم يوجد غيره، فلا مانع من إزالة الخبث به. قال النووي(رحمه الله):ولا يكره الطهر بماء زمزم؛ ولكن الأولى عدم إزالة النجاسة به.
(المنهاج).   مسألة (15): إذا اشتبه عليه ماء طهور بنجس • فإذا اشتبه على المسلم ماء طهور وآخر نجس فإنه يتحرى ويغلِّب طهارة أحدهما ويستعمله، هذا إذا كان متيقناً من نجاسة أحدهما وطهارة الآخر. • وأما إن كان غير متيقن فإن الأصل في الأشياء الطهارة ومنها الماء، وحيث أن الماء لا ينجس إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته بالنجاسة، فإذا تغير الماء بالنجاسة حكم بنجاسته، وإن لم يتغير بنى على الأصل وهو طهارته.   مسألة (16): حكم الماء إذا أزيلت عنه النجاسة بأن تغيرت بنفسها أو بإضافة ماء طهور اليه إن لم يظهرْ أثرٌ للنجاسة من طعم أو لون أو رائحة، فالماءُ في هذه الحالة يَصير طاهرًا مطهِّرًا.
لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولا علة لنجاسة الماء إلا لكونه متغيرًا بالنجاسة، فإن زال التغير فلا يحكم بنجاسته.   مسألة (17): ما حكم الماء الذي وقع فيه من الهوام[27] مما لا نفس له سائلة؟ حكمه أنه طهور، والدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا وقع الذباب في شرابِ أحدِكم فليغمِسْه ثم لينزعه؛ فإن في أحد جناحَيْه داءً، وفي الآخر شفاءً))[28].   مسألة (18) حكم فضل طهور المرأة[29] حكمه أنه طَهور؛ ويجوز للرجل أن يتطهر بفضل طهور المرأة ما لم يتغير بالماء المستعمل فيخرجه عن إطلاقه، والدليل حديث ابن عباس رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة))[30].   مسألة (19): حكم الوضوء بالماء المحرم ( كالمسروق ) تصحُ الطهارة بالماء المغصوب، مع إثم الغاصب.
والدليل علي ذلك: هو عدم وجود دليل يقضي بفساد الطهارة، فهذا قد تطهر الطهارة الشرعية، فطهارته صحيحة، ولا يحكم ببطلانها إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع ولا دليل هنا. وهذا مذهب الجمهور (الحنفية، والمالكية، والشافعية ).   و الحمد لله رب العالمين، وأُصلي وأُسلم على نبينا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين.


[1] الماء الطهور: هو الماء المطلق الباقي على أصل خِلْقته ( يعني لم تتغير أوصافه، اللون، والطعم، والرائحة) وهذا الماء يجوز الطهارة به. [2] الماء الطاهر: هو الماء الذي خالطه شئ طاهر فغير أحد أوصافه، وهذا الماء لا تجوز الطهارة به (فهو طاهر في نفسه، غير مطهر لغيره). [3] الماء النجس: هو الماء الذي تغير بنجاسة، وهذا الماء لا يجوز استعماله. [4] الحل ميتته: يعني الأسماك والحيوانات التي تعيش في البحر إذا ماتت فهى حلال، ولا تحتاج إلى تذكية (ذبح). [5] صحيح: رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الألباني. [6] خطاياي: أي ذنوبي. [7] نقني: أي طهرني. [8] الدنس: أي الوسخ. [9] البرد: أي الماء الجامد ينزل من السحاب قطعا صغارا ويسمى حب الغمام. [10] رواه البخاري ومسلم. [11] الحِيَضُ: الخرق التي يمسح بها دم الحيض. [12] صحيح : رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد ، وصحَّحه الألباني. [13] ماء الورد: هو الماء المستخلص من الورد. [14] ماء الشجر: هو عصير ورق الشجر. [15] ماء العصفر: العصفر نبات أصفر يستخدم في الطعام وصبغ الثياب (الكركم) . [16] الماء المستعمل: هو المنفصِل عن أعضاءِ المتوضِّئ والمغتسِل [17] حسن : رواه أبو داود، والبيهقي، وحسَّنَه الألباني . [18] صحيح: رواه أحمد ، والنسائي، وابن ماجه. [19] سبق في المسألة (4) . [20] الماء الآجن: هو الماء الذي تَغيَّر بطول مكْثِه في المكان.(مثل الماء الذي يوضع في خزان مدة طويلة فيتغير). [21] القُمقُم : ما يُسخَّن فيه الماءُ مِن نحاس، وغيره. [22] صحيح : رواه الدارقطني، والبيهقي، وغيرهم، وصححه الألباني . [23] الحميم : هو الماء الساخن. [24] صحيح : رواه ابن أبي شيبة، وغيره، و صححه الألباني . [25] السجل : الدَّلْو العظيمة ، مملوءة، أَو فيها ماء قلّ أَو كثر. [26] حديث حسن: رواه عبدالله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند، وحسَّنه الألباني. [27] الهوام: الحشرات والكائنات الضارة. [28] رواه البخاري. [29] فضل طهور المرأة: هو الماء المتبقي من وضوئها أو اغتسالها. [30] رواه مسلم.



شارك الخبر

فهرس موضوعات القرآن