أرشيف المقالات

{قد شغفها حبا..}

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
2﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾ [يوسف: 30]
 
القصص لها أثر كبير في النفس البشرية، وهي من الأساليب المهمة في ترسيخ المعنى في النفس، واستُخدِم هذا الأسلوب منذ القدم؛ لأن القصة تستولي على مشاعر الإنسان وإحساسه وخياله وأفكاره وتصوُّراته، ومن مميزات القصة في القرآن الكريم أنها تسمو بالإنسان وترتقي بروحه وتُهذِّب طباعه وخلقه.

والقصة في القرآن تكون ذات أغراض ومقاصد وأهداف لفائدة الإنسان وليس لمجرد السرد وإملاء الفراغ، على عكس القصة الأدبية التي تكون غير واقعية ويُوظَّف فيها الخيال بشكل كبير، وتفتقد الالتزام الأخلاقي، وأحيانًا كثيرة تكون أداة لإثارة الغرائز والفتن، وتكون بعيدة عن فضائل الأخلاق والقيم والمبادئ.

سورة يوسف تذكر الأحداث التي حصلت ليوسف عليه السلام مع أخوته، وكيف وصل إلى أرض مصر والابتلاءات التي مَرَّ بها إلى أن وصل إلى مرحلة التمكين في الأرض، هذه السورة لها رونق خاص، وهي تتميَّز بجمال التصوير والإبداع فيه وجمال الأسلوب ورقة التعابير.

من الأحداث التي مَرَّ بها يوسف عليه السلام بعد وصوله إلى أرض مصر هي حب وتعلُّق امرأة العزيز به، هذا التعلق الذي أدى إلى دخوله السجن ظلمًا.

يصف القرآن الكريم حال امرأة العزيز مع يوسف بأن حبَّه قد وصل إلى شغاف قلبها، والشغاف هو غلاف القلب، فالشغف بالمحبوب هو وصول حبه إلى شغاف القلب، وفيه ثلاثة أقوال: أولها: أنه الحب المستولي على القلب، بحيث يحجبه عن غيره، والثاني: الحب الواصل إلى داخل القلب، أما الثالث: فهو الحب الواصل إلى غشاء القلب.

والشغاف غشاء القلب إذا وصل الحب إليه باشر القلب، والنتيجة أنه قد بلغ عشقها له كل مبلغ حتى دخل قلبها وتمكَّن منه.

يتعرض يوسف عليه السلام لمحنة أخرى وهو في بيت عزيز مصر الذي اشتراه، فقد راودته التي هو في بيتها عن نفسه لكنه امتنع، وعصمه الله من الوقوع في المعصية.

إن السياق لم يذكر كم كانت سِنُّها وكم كانت سِنُّه، قال بعض المفسرين: (لقد كان يوسف غلامًا عندما التقطته السيارة وباعته في مصر؛ أي: إنه كان حوالي الرابعة عشرة تنقص ولا تزيد، فهذه هي السن التي يطلق فيها لفظ الغلام، وبعدها يسمى فتًى فشابًّا فرجلًا..
وهي السن التي يجوز فيها أن يقول يعقوب: ﴿ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ [يوسف: 13]، وفي هذا الوقت كانت هي زوجة، وكانت وزوجها لم يرزقا أولادًا كما يبدو من قوله: ﴿ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ [يوسف: 21]، فخاطر التبني لا يرد على النفس عادةً إلا حين لا يكون هناك ولد، ويكون هناك يأس أو شبه يأس من الولد، فلا بُدَّ أن تكون قد مضت على زواجهما فترة، يعلمان فيها أن لا ولد لهما.

ومن المتوقع عن رئيس وزراء مصر ألا تقل سِنُّه عن أربعين سنة، وأن تكون سن زوجه حينئذ حوالي الثلاثين، ويتوقع كذلك أن تكون سِنُّها أربعين سنة عندما يكون يوسف في الخامسة والعشرين أو حواليها، وهي السن التي يرجح أن الحادثة وقعت فيها؛ لأن تصرف المرأة في الحادثة وما بعدها يشير إلى أنها كانت مكتملة جريئة، مالكة لكيدها، متهالكة كذلك على فتاها، ورجح ذلك من كلمة النسوة فيما بعد ﴿ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ﴾ [يوسف: 30]..
وإن كانت كلمة فتى تُقال بمعنى عبد، ولكنها لا تُقال إلا ولها حقيقة من مدلولها من سِنِّ يوسف، وهو ما ترجحه شواهد الحال.

﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [يوسف: 23]، وفي تفسير القرطبي: أصل المراودة الإرادة والطلب برفق ولين، فالمراودة الرفق في الطلب، وكان رد يوسف الرفض والإباء، وتذكر حدود الله وجزاء من يتجاوزون هذه الحدود.


وعندما وجدا زوجها عند الباب، قالت: ﴿ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا ﴾ [يوسف: 25]، ولأنها امرأة تعشق، فهي تخشى عليه فتشير بالعقاب المأمون ﴿ إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 25].


﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [يوسف: 30]، فانتشر الخبر في المدينة: ﴿ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ﴾ [يوسف: 30] وبيان لحالها معه ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾ [يوسف: 30]، فهي مفتونة به، بلغ حبه شغاف قلبها ومزَّقه، وشغاف القلب غشاؤه الرقيق، وهي السيدة الكبيرة وزوجة الكبير تفتتن بفتاها العبراني المشترى.

ويكشف السياق عن مشهد من صنع تلك المرأة الجريئة التي تعرف كيف تواجه نساء طبقتها بمكر كمكرهن وكيد من كيدهن:
﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ [يوسف: 31، 32].

فدعا الله أن يصرف عنه كيدهن، فهن جميعًا كن مشتركات في الدعوة سواء بالقول أو بالحركات واللفتات، فاستنجد ربه ليصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن خيفة أن يضعف في لحظة أمام الإغراء الدائم، فيقع فيما يخشاه على نفسه ويدعو الله أن ينقذه منه، وهي دعوة الإنسان العارف ببشريته الذي لا يغتر بعصمته فيريد مزيدًا من عناية الله وحياطته، يعاونه على ما يعترضه من فتنة وكيد وإغراء، وبعد هذا كله بدا لهم أن يسجنوه إلى حين.


وتمُرُّ الأحداث إلى أن يتضح في النهاية أن امرأة العزيز قد آمنت بعقيدة يوسف وأسلمت كما يتبين من خلال قولها: ﴿ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [يوسف: 51- 53].

شارك الخبر

المرئيات-١