أرشيف المقالات

من آثار الإيمان باسم الله تعالى: الغفور (2)

مدة قراءة المادة : 34 دقائق .
2من آثار الإيمان باسم الله تعالى: الغفور (2)   7- مداومة الاستغفار: لا يسلم العبد من الذنوب، والمعصوم مَنْ عصمَه الله تعالى؛ لذا فعليه ملازمة الاستغفار؛ فهو الإكسير للذنوب، والممحاة للخطايا؛ يقول تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 110] [1]، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى: يا بن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا بن آدم، لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة))؛ رواه الترمذي، وصححه الألباني.   يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن مزيلات آثار المنهيات، وما يكرهه الله سبحانه من السيئات: "وقد يزيلها سبحانه بالعفو والتجاوز، وتزول بالتوبة والاستغفار والأعمال الصالحة والمصائب المكفِّرة والشفاعة، والحسنات يذهبن السيئات، ولو بلغت ذنوب العبد عنان السماء، ثم استغفره غفر له، ولو لقيه بقراب الأرض خطايا، ثم لقيه لا يشرك به شيئًا، لأتاه بقرابها مغفرة، وهو سبحانه يغفر الذنوب وإن تعاظمت، ولا يبالي فيبطلها ويبطل آثارها بأدنى سعي من العبد، وتوبة نصوح، وندم على ما فعل، وما ذاك إلا لوجود ما يحبُّه من توبة العبد وطاعته وتوحيده، فدلَّ على أن وجود ذلك أحبُّ إليه وأرضى له"[2].   فالعبد خُلِق ضعيفًا [3] مخطئًا مذنبًا، وذلك من حكمة الله جل جلاله؛ ليظل هذا العبد مفتقرًا مطروحًا بين يدي مولاه، سائلًا إيَّاه العفوَ والصفحَ والمغفرةَ، ولو خُلِق معصومًا، لتعطَّلت كثيرٌ من صفات البارئ سبحانه؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم))؛ رواه مسلم.   فالله تعالى ذكره "إذا كان يحب أمورًا وتلك الأمور المحبوبة لها لوازم يمتنع وجودها بدونها، كان وجود تلك الأمور مستلزمًا للوازمها التي لا توجد بدونها؛ مثاله: محبَّته للعفو والمغفرة والتوبة، وهذه المحبوبات تستلزم وجود ما يعفو عنه، ويغفره، ويتوب إليه العبد منه، ووجود الملزوم بدون لازمه محال، فلا يمكن حصول محبوباته سبحانه من التوبة والمغفرة والعفو بدون الذي يتاب منه، ويغفره ويعفو عن صاحبه؛ ولهذا قال النبي في الحديث الصحيح: ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون فيغفر لهم)) [4]، "ويذكر عن بعض العباد: أنه كان يسأل ربَّه في طوافه بالبيت أن يعصمه، ثم غلبته عيناه، فنام فسمع قائلًا يقول: أنت تسألني العصمة وكل عبادي يسألونني العصمة، فإذا عصمتهم فعلى مَنْ أتفضَّل وأجود بمغفرتي وعفوي، وعلى من أتوب؟! وأين كرمي؟! وعفوي ومغفرتي وفضلي...)) [5].   ومن الأحاديث الواردة في فضل الاستغفار: حديث أبي سعيد رضي الله عنه يرفعه: ((إن الشيطان قال: وعزَّتك يا رب، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب تبارك وتعالى: وعزَّتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" [6].   ولا ننسى سيد الاستغفار كما سمَّاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعن شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربِّي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومَنْ قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة))؛ رواه البخاري.   8- وقفة مع حديث في فضل الاستغفار: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن عبدًا أذنب ذنبًا فقال: رب، أذنبت فاغفره، فقال ربه: أعَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا، فقال: رب، أذنبتُ ذنبًا، فاغفره، فقال ربُّه: أعَلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا، قال: رب، أذنبتُ ذنبًا آخر، فاغفر لي، فقال: أعلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء))؛ متفق عليه.   "قال ابن بطال في هذا الحديث: إن المصِرَّ على المعصية في مشيئة الله تعالى، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له، مغلبًا الحسنة التي جاء بها؛ وهي اعتقاده: أن له ربًّا خالقًا يُعذِّبه ويغفر له، واستغفاره إيَّاه على ذلك يدل عليه قوله: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"، ولا حسنة أعظم من التوحيد، فإن قيل: إن استغفاره ربَّه توبة منه، قلنا: ليس الاستغفار أكثر من طلب المغفرة، وقد يطلبها المصِرُّ والتائب، ولا دليل في الحديث على أنه تائب ممَّا سأل الغفران عنه؛ لأن حدَّ التوبة الرجوع عن الذنب، والعزم ألَّا يعود إليه، والإقلاع عنه، والاستغفار بمجرده لا يفهم منه ذلك؛ انتهى.   وقال القرطبي في المفهم: يدل هذا الحديث على عظيم فائدة الاستغفار، وعلى عظيم فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه؛ لكن هذا الاستغفار هو الذي ثبت معناه في القلب مقارنًا للِّسان لينحل به عقد الإصرار، ويحصل معه الندم، فهو ترجمة للتوبة، ويشهد له حديث ((خياركم كل مُفتَّن توَّاب)) [7]، ومعناه الذي يتكرَّر منه الذنب والتوبة، فكلما وقع في الذنب عاد إلى التوبة؛ لا من قال: استغفر الله بلسانه، وقلبُه مُصِرٌّ على تلك المعصية، فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى الاستغفار.   قال القرطبي: وفائدة هذا الحديث أن العود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه انضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة؛ لكن العود إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنه انضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم، والإلحاح في سؤاله، والاعتراف بأنه لا غافر للذنب سواه.   وقال النووي: في الحديث أن الذنوب ولو تكرَّرت مائة مرة؛ بل ألفًا وأكثر، وتاب في كل مرة قُبِلَتْ توبتُه، أو تاب عن الجميع توبةً واحدةً صحَّتْ توبتُه. وقوله: ((اعمل ما شئت))؛ معناه: ما دمت تُذنِب، فتتوب غفرت لك" [8].   9- تنوُّع أسباب المغفرة وكثرتها: من رحمة الله تعالى أنه لم يُعلِّق مغفرته لذنوب عباده ونجاتهم من عذابه بتوبتهم واستغفارهم فقط؛ بل جعل لذلك أسبابًا عدة، دلَّت عليها نصوص القرآن والسنة بالاستقراء، وقد ذكر الإمام ابن أبو العز الحنفي رحمه الله تعالى في شرحه للطحاوية أحد عشر سببًا لمغفرة الذنوب، رأيت أن أنقلها [9] لمسيس الحاجة إلى معرفتها والعلم بها: "السبب الأول: التوبة؛ قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ ﴾ [الفرقان: 70] ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ [النساء: 146]، وكون التوبة سببًا لغفران الذنوب وعدم المؤاخذة بها مما لا خلاف فيه بين الأُمَّة، وليس شيء يكون سببًا لغفران جميع الذنوب إلا التوبة؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]، وهذا لمن تاب؛ ولهذا قال: ﴿ لَا تَقْنَطُوا ﴾، وقال بعدها: ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ﴾ [الزمر: 54].   السبب الثاني: الاستغفار؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الأنفال: 33]؛ لكن الاستغفار تارة يذكر وحده، وتارة يقرن بالتوبة، فإن ذكر وحده دخل معه التوبة، كما إذا ذكرت التوبة وحدها شملت الاستغفار، فالتوبة تتضمَّن الاستغفار، والاستغفار يتضمَّن التوبة، وكل واحد منهما يدخل في مُسمَّى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شرِّ ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله.   السبب الثالث: الحسنات [10]: فإن الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، فالويل لمن غلبت آحاده عشراته؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها)) [11].   السبب الرابع: المصائب الدنيوية؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا غم ولا هم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها إلَّا كفَّر بها من خطاياه))؛ متفق عليه، وفي المسند: "أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ [النساء: 123]، قال أبو بكر: يا رسول الله، نزلت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءًا؟! فقال: ((يا أبا بكر، ألست تنصَب؟ ألست تحزَن؟ ألست يصيبك اللَّأواءُ؟ فذلك ما تُجزون به)) [12]، فالمصائب نفسها مُكفِّرة، وبالصبر عليها يُثاب العبد، وبالتسخُّط يأثم، والصبر والسخط أمر آخر غير المصيبة، فالمصيبة مَنْ فعل الله لا مَنْ فعل العبد، وهي جزاء من الله للعبد على ذنبه، ويُكفَّر ذنبه بها؛ وإنما يُثاب المرء، ويأثم على فعله، والصبر والسخط من فعله، وإن كان الأجر قد يحصل بغير عمل من العبد؛ بل هدية من الغير، أو فضل من الله من غير سبب؛ قال تعالى: ﴿ وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 40].   السبب الخامس: عذاب القبر.   السبب السادس: دعاء المؤمنين واستغفارهم في الحياة وبعد الممات.   السبب السابع: ما يهدى إليه بعد الموت من ثواب صدقة أو قراءة أو حج، ونحو ذلك.   السبب الثامن: أهوال يوم القيامة وشدائده.   السبب التاسع: ما ثبت في الصحيحين: ((أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة))؛ رواه البخاري.   السبب العاشر: شفاعة الشافعين.   السبب الحادي عشر: عفو أرحم الراحمين من غير شفاعة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48]، فإن كان ممن لم يشأ الله أن يغفر له لعظم جرمه، فلا بد من دخوله إلى الكير، ليخلص طيب إيمانه من خبث معاصيه، فلا يبقى في النار مَنْ في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان؛ بل من قال: لا إله إلا الله [13].   10- جملة من الأمور والطاعات المكفرة للذنوب والسيئات[14]: كثيرة هي الأمور والطاعات التي جعلها الله تعالى سببًا لنيل الحسنات، ومحو الخطايا والزلَّات، وقد ورد في ذلك عدة أحاديث يصعُب استقصاؤها في هذه الصفحات؛ لذا سأكتفي بذكر بعضها: 1- الإسلام: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه، كتب الله له كل حسنة كان أزلفها، ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عز وجل عنها)) [15].   2- اتِّباع السنة: يقول الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31] "فمن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم دلَّ على صدق دعواه محبة الله تعالى، وأحبه الله، وغفر له ذنبه، ورحمه، وسدَّده في جميع حركاته وسكناته"[16].   3-الشهادة في سبيل الله: عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((للشهيد عند الله ست خصال، يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا، وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه)) [17].   4- الصلاة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء))، قال: ((فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا))؛ متفق عليه.   5- صيام رمضان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدَّم من ذنبه))؛ متفق عليه.   6- قيام رمضان: روى الشيخان في الصحيحين مرفوعًا: ((مَنْ قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدَّم من ذنبه)).   7- قيام ليلة القدر: عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: ((من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدَّم من ذنبه))؛ رواه البخاري.   8- الذكر دُبُر كل صلاة: عن أبى هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سبَّحَ الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون)) وقال: ((تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر))؛ رواه مسلم.   9- الوضوء: عن عبدالله الصناجي رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا توضَّأ العبد المؤمن فتمضمض، خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته له نافلة)) [18]. وعن عليٍّ رضي الله عنه مرفوعًا: "إسباغ الوضوء في المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلًا" [19].   10- صلاة ركعتين بعد الوضوء: عن زيد بن خالد الجهني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ توضَّأ فأحسَنَ الوضوء، ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما، غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه)) [20].   11- كثرة الخطى.   12- انتظار الصلاة بعد الصلاة: عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه أنه سمِع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أدلُّكم على ما يكفِّر الله به الخطايا، ويزيد به في الحسنات؟))، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة))؛ صحيح سنن ابن ماجه.   وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألَا أدلُّكم على ما يُكفِّر الله به الخطايا، ويزيد به في الحسنات؟))، قالوا: بلى، يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إسباغ الوضوء أو الطهور في المكاره، وكثرة الخطى إلى المسجد، والصلاة بعد الصلاة، وما من أحدٍ يخرج من بيته متطهِّرًا حتى يأتي المسجد، فيصلي فيه مع المسلمين أو مع الإمام، ثم ينتظر الصلاة التي بعدها إلا قالت الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)) [21].   13– قيام الليل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قُرْبةٌ إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد)) [22].   14– الصدقة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((والصدقة تُطفئ الخطيئةَ كما يطفئ الماءُ النارَ)) [23].   15- مصافحة المسلم أخاه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا تصافح المسلمان، لم تفرق أكفهما حتى يغفر لهما)) [24].   16- الحج: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ حجَّ فلم يرفث، ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه))؛ متفق عليه.   17- العمرة: عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه يرفعه: ((العمرة إلى العمرة كفَّارة لما بينهما من الذنوب والخطايا والحج المبرور ليس له جزاء إلَّا الجنَّة)) [25].   18- مسح الحجر والركن: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطَّان الخطايا حطًّا)) [26]. وفي رواية: ((إن استلامهما يحطُّ الخطايا)) [27].   19- قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها)) [28].   وفي رواية عند الترمذي، "أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ بشجرة يابسة الورق، فضربها بعصا فتناثر ورقها، فقال: ((إن الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لتساقط من ذنوب العبد كما تساقط ورق هذه الشجرة".   20- قول سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة: عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: ((من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر))؛ متفق عليه.   21- ذكر خمس كلمات [29]: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قال لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله، ولا شريك له، لا إله إلا الله، له الملك، وله الحمد، لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يعقدهن خمسًا بأصابعه، ثم قال: من قالهن في يوم أو في ليلة أو في شهر، ثم مات في ذلك اليوم أو في تلك الليلة أو في ذلك الشهر، غفر له ذنبه)) [30].   22-الحمد بعد الأكل: عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((من أكل طعامًا، فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدَّم من ذنبه)) [31].   23- الحمد عند لبس الثوب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لبس ثوبًا، فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدَّم من ذنبه، وما تأخَّر)) [32].   24- موافقة التأمين في الصلاة لتأمين الملائكة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنُوا؛ فإنه مَنْ وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة، غفر له ما تقدَّم من ذنبه))؛ متفق عليه.   وفي رواية أخرى للبخاري قال: ((إذا أمَّن القارئ فأمِّنوا؛ فإن الملائكة تُؤمِّن، فمَنْ وافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة، غفر له ما تقدَّم من ذنبه)).   25- الذكر بعد الأذان: عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَنْ قال حين يسمع المؤذِّن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا، غفر له ذنبه))؛ صحيح مسلم.   26- عظم الخشية من الله تعالى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كانَ رجلٌ ممَّن كان قبلكم لم يعمل خيرًا قطُّ؛ إلا التوحيد، فلما احتُضر، قال لأهله: انظروا: إذا أنا متُّ أن يحرِّقوه حتى يدعوه حممًا، ثم اطحنوه، ثم اذروه في يوم ريح، ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله؛ لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فلما مات فعلوا ذلك به، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، فإذا هو قائم في قبضة الله، فقال الله عز وجل: يا ابن آدم، ما حملك على ما فعلت؟ قال: أي ربِّ، من مخافتك))، وفي طريق آخر: ((من خشيتك وأنت أعلم))، قال: ((فغفر له بها، ولم يعمل خيرًا قطُّ إلا التوحيد))[33].   27- المرض: قال الله تعالى في الحديث القدسي: ((إذا ابتليت عبدًا من عبادي مؤمنًا فحمدني، وصبر على ما بليته، فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أُمُّه من الخطايا ويقول الرب عز وجل للحفظة: إني أنا قيدت عبدي هذا، وابتليته، فأجروا له ما كنتم تجرون له قبل ذلك من الأجر، وهو صحيح)) [34]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المرض حطة يحط الخطايا عن صاحبه، كما تحط الشجرة اليابسة ورقها)) [35].   28- عيادة المريض: عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من رجلٍ يعودُ مريضًا ممسيًا إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، ومَنْ أتاه مُصْبِحًا، خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي)) [36].   29- سقيا الحيوان: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بينما رجل يمشي بطريق اشتدَّ عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي، فنزل البئر فملأ خُفَّه ماء ثم أمسك بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله، فغفر له، في كل ذات كبد رطبة أجر))؛ متفق عليه.


[1]يقول العلامة السعدي رحمه الله في تفسيرها: "أي: مَنْ تجرَّأ على المعاصي، واقتحم على الإثم، ثم استغفر الله استغفارًا تامًّا يستلزم الإقرار بالذنب، والندم عليه، والإقلاع، والعزم على ألَّا يعود، فهذا قد وعده مَنْ لا يخلف الميعاد بالمغفرة والرحمة، فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتَّب عليه من النقص والعيب، ويُعيد إليه ما تقدَّم من الأعمال الصالحة، ويُوفِّقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه حائلًا عن توفيقه؛ لأنه قد غفره، وإذا غفره غفر ما يترتب عليه، واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة، وسمي "سوءًا"؛ لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئًا غير حسن"؛ تيسير الرحمن،200. [2] الفوائد: 1/ 126. [3] كما قال سبحانه: ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28]. [4] الصواعق المرسلة: 4/ 1467. [5] مدارج االسالكين:1/ 301. [6] رواه الحاكم والبيهقي، وصحَّحه الألباني في الصحيحة، تحت رقم:104. [7] الحديث بهذا اللفظ رواه البيهقي، وضعَّفه الألباني، وهناك ما يغني عنه، وهو حديث ابن عباس رضي الله عنه يرفعه: ((ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينةَ بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يُفارقه حتى يُفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مُفتَّنًا توَّابًا نسَّاءً، إذا ذُكِّر ذَكَرَ))؛ الصحيحة، رقم:2276. [8] فتح الباري: 13/ 471-472. [9] وذلك باختصار وإيجاز، مع بيان حكم الأحاديث المذكورة. [10] وسيأتي ذكر جملة من الحسنات والطاعات التي تكفر بها الخطايا والسيئات، وتكون سببًا عظيمًا للمغفرة من ربِّ الأرض والسماوات. [11] جزء من حديث أبي ذر رضي الله عنه، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وهو في صحيح الترغيب والترهيب، تحت رقم:2655. [12] أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وعلَّق عليه شعيب الأرناؤوط بقوله: صحيح بطرقه وشواهده، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه، والحديث صحَّحه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، وفي صحيح الإيمان؛ لابن تيمية رحم الله الجميع. [13] شرح الطحاوية في العقيدة السلفية؛ للإمام ابن أبي العز الحنفي:267-272، باختصار وتصرُّف مع بيان أحكام الأحاديث. [14] الكلام في هذا الباب من البحث مندرج حقيقة تحت الذي قبله؛ لكن رأيت أن أخصَّه بعنوان مستقل لكثرة ما سيتضمَّنه من الأحاديث العظيمة في فضل كثير من الأعمال والقربات، وكيف ينال العبد بها المغفرة من الله تعالى ذكرُه، وتقدَّسَتْ أسماؤه والصفات. [15] رواه الإمام مالك وغيره من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وهو في صحيح الجامع تحت رقم:336. [16] تيسير الرحمن:128. [17] رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حديث صحيح غريب، وهو في صحيح الترغيب تحت رقم: 1375. [18] رواه مالك، والنسائي، والحاكم، وغيرهم، وهو في صحيح الجامع، تحت رقم: 449. [19] رواه الحاكم وغيره، وهو في صحيح الجامع، تحت رقم:926. [20] رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، وحسن سنده الألباني، تحت رقم 6165 في صحيح الجامع. [21] الحديث رواه ابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحه، واللفظ له، والدارمي في مسنده، وهو في صحيح الترغيب والترهيب، تحت رقم: 452. [22] رواه أحمد وغيره، وهو في صحيح الجامع، تحت رقم: رقم 4079. [23] رواه أحمد وغيره وهو في صحيح الجامع تحت رقم: 5136. [24] أخرجه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع، تحت رقم:433. [25] رواه الإمام أحمد، وهو في صحيح الجامع، تحت رقم: 4135. [26] رواه الإمام أحمد، وقال الشيخ الألباني: (صحيح)، انظر حديث رقم: 2194 في صحيح الجامع. [27] صحيح الترغيب والترهيب. [28] رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام البخاري في الأدب المفرد، وحسَّنه العلَّامة الألباني، انظر: حديث رقم: 2089 في صحيح الجامع. [29] قد تطلق الكلمة، ويُراد بها الجملة المفيدة أو الكلام المفيد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 99، 100]، وقوله سبحانه: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ [الكهف: 5]، والكلمة هي قولهم: ﴿ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴾ [الكهف: 4]، ومن ذلك قوله جل في علاه: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 64] فسمَّى هذا الكلام كلمة. [30] رواه النسائي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب. [31] رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني، انظر: صحيح ابن ماجه، حديث رقم: 2656. [32] جزء من حديث معاذ بن أنس، رواه أصحاب السنن وغيرهم، وهو في صحيح الجامع، تحت رقم:6086. [33] أخرجه أحمد في مسنده، وهو في الصحيحة، تحت رقم:3048. [34] أخرجه أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس، انظر: حديث رقم: 4300 في صحيح الجامع. [35] ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى، وفي كتاب: الإيمان، وصحَّحه العلامة الألباني في صحيح الإيمان. [36] رواه أبو داود، والحاكم، وصحَّحه الحاكم والألباني في صحيح الجامع (رقم 5717).



شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير